ثمّ بسط الأرض من تحت الكعبة ولذلك تسمّى مكة أمّ القرى ( ج ) نقل عن كعب ما يقرب من ذلك قال إنّ اللَّه تعالى خلق ياقوتة خضراء ثمّ نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثمّ خلق الريح فجعل الماء على متنها ثمّ وضع العرش على الماء كما قال تعالى « وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » ( د ) ما نقل عن تاليس الملطي وكان من مشاهير الحكماء القدماء فإنّه نقل عنه بعد أن وحّد الصانع الأوّل للعالم وتنزّهه أنّه قال : لكنّه أبدع العنصر الَّذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلَّها وسمّاه المبدع الأوّل ، ثمّ نقل عنه أنّ ذلك العنصر هو الماء قال : ومنه أنواع الجوهر كلَّها من السماء والأرض وما بينهما وهو علَّة كلّ مبدع وعلَّة كلّ مركَّب من العنصر الجسمانيّ فذكر أن من جمود الماء تكوّنت الأرض ومن انحلاله تكوّن الهواء ومن صفوته تكوّنت النار ومن الدخان والأبخرة تكوّنت السماء ، وقيل : إنّه أخذ ذلك من التوراة ( ه ) ما وجدته في كتاب بلينوس الحكيم الَّذي سمّاه الجامع لعلل الأشياء قريبا من هذه الإشارة وذلك أنّه قال : إنّ الخالق تبارك وتعالي كان قبل الخلق وأراد أن يخلق الخلق فقال : ليكن كذا وكذا فكان ما أراد بكلمته فأوّل الحدث كلمة اللَّه المطاعة الَّتي كانت بها الحركة ثمّ قال : بعده إنّ أوّل ما حدث بعد كلام اللَّه تعالى الفعل فدلّ بالفعل على الحركة ودلّ بالحركة على الحرارة ثمّ لمّا نقصت الحرارة جاء السكون عند فنائها فدلّ بالسكون على البرد ، ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ طبائع العناصر الأربعة إنّما كانت من هاتين القوّتين أعني الحرّ والبرد قال : وذلك أنّ الحرارة حدث منها اللين ومن البرودة أليس فكانت أربع قوى مفردات فامتزج بعضها ببعض فحدث من امتزاجها الطبائع الأربع وكانت هذه الكيفيّات قائمة بأنفسها غير مركَّبة فمن امتزاج الحرارة واليبس حصلت النار ومن الرطوبة والبرودة حدث الماء ومن الحرارة والرطوبة حدث الهواء ومن امتزاج البرد واليبس حصلت الأرض ثمّ قال : إنّ الحرارة لمّا حرّكت طبيعة الماء والأرض تحرّك الماء للطفه عن ثقل الأرض وأثقلت ما أصابه من الأرض فصار بخارا لطيفا هوائيّا رقيقا روحانيّا وهو أوّل دخان طلع من أسفل الماء وامتزج بالهواء فسما إلي العلو لخفّته ولطافته وبلغ الغاية في صعوده على قدر قوّته ونفرته من الحرارة فكان منه الفلك الأعلى وهو فلك زحل ، ثمّ حرّكت النار الماء أيضا فطلع منه دخان هو أقلّ لطفا ممّا صعد
شرح نهج البلاغة — صفحة 139
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٣٩