حال كونه عالما بالأشياء قبل إيجادها حاضرة في علمه بالفعل كلَّيها وجزئيّها ، وفي القضيّة الثانية نسبة تلك الأفعال إليه حال إحاطة علمه بحدودها وحقائقها المميّزة لبعضها عن بعض وإنّ كلَّا منته بحدّه واقف عنده وهو نهايته وغايته ، ويحتمل أن يريد بانتهائها انتهاء كلّ ممكن إلى سببه وانتهاء الكلّ في سلسلة الحاجة إلى اللَّه ، وفي القضيّة الثالثة نسبة الأفعال إلى قدرته حال علمه بما يقترن بالأشياء من لوازمها وعوارضها ، وعلمه بكلّ شيء يقترن بشيء آخر على وجه التركيب أو المجاورة كاقتران بعض العناصر ببعض في أحيازها الطبيعيّة على الترتيب الطبيعي ، وعلمه بأحنائها وجوانبها الَّتي بها تنتهي وتقارن غيرها ، وبيان هذه الأحكام له تعالى ببيان أنّه عالم بكلّ المعلومات من الكلَّيّات والجزئيّات وذلك ممّا علم في العلم الإلهيّ فإن قلت : إطلاق اسم العارف على اللَّه تعالى لا يجوز لقول النبيّ صلى اللَّه عليه وآله : إنّ للَّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنّة ، وإجماع علماء النقل على أنّ هذا الاسم ليس منها قلت : الأشبه أنّ أسماء اللَّه تعالى تزيد على التسعة والتسعين لوجهين أحدهما قول النبيّ صلى اللَّه عليه وآله أسئلك بكلّ اسم سميّت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدا من خلقك واستأثرت به في علم الغيب عندك فإنّ هذا صريح في أنّه استأثر ببعض الأسماء ، الثاني أنّه صلى اللَّه عليه وآله قال في رمضان : إنّه اسم من أسماء اللَّه تعالى وكذلك كان الصحابة يقولون فلان أوتي الاسم الأعظم وكان ذلك ينسب إلى بعض الأنبياء والأولياء وذلك يدلّ على أنّه خارج من التسعة والتسعين ، فإذا كان كذلك كان كلّ الكلام في قوله صلى اللَّه عليه وآله إنّ للَّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنّة قضيّة واحدة معناها الإخبار بأنّ من أسماء اللَّه تعالى تسعة وتسعين من أحصاها يدخل الجنّة ويكون تخصيصها بالذكر لاختصاصها بمزيد شرف لا يكون لباقي الأسماء وهي كونها مثلا جامعة لأنواع من المعاني المنبئة عن الكمال بحيث لا يكون لغيرها لا لنفي أن يكون اللَّه تعالى اسم غيرها ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون العارف من تلك الأسماء . لا يقال : إنّ الاسم الأعظم غير داخل فيها لاشتهارها واختصاص معرفته بالأنبياء والأولياء وإذا كان كذلك فكيف يصدق عليها أنّها أشرف الأسماء . لأنّا نقول : يحتمل أن يكون خارجا منها ويكون شرفها حاصلا بالنسبة إلى باقي الأسماء الَّتي هي غيره ويحتمل أن يكون داخلا فيها إلَّا أنّا لا نعرفه بعينه ويكون ما يختصّ به
شرح نهج البلاغة — صفحة 137
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٣٧