شرح
وأمّا إن قلنا بأنّها غيرها بأحد الأنحاء المتصوّرة الّتي تقدّم في أوّل الباب فتنقدح شبهة لا بد من رفعها ، وهي أنّه إذا توضّأ المكلّف لإدخال الميّت القبر - مثلاً - أو للدخول
على أهله ليلة الزفاف لا يمكن الجزم بجواز أن يمسّ كتابة القرآن الّتي لا يمسّها إلاّ المطهّرون ، من باب عدم قيام البرهان على أنّ كلّ وضوء مطهّرٌ حتّى يترتّب عليه جميع ما يترتّب على الوضوء المطهّر .
ودفعها بأن يقال : إنّ مقتضى إطلاق مثل الآية الشريفة ( 1 ) الدالّة على كفاية الغسلتين والمسحتين بضمّ نيّة التقرّب الثابت بدليل آخر : أنّ ذلك كاف في صلاة الفريضة والنافلة ، ومقتضى قيام الأدلّة المتظافرة الدالّة على أنّه « لا صلاة إلاّ بطهور » ( 2 ) : أنّ الصلاة بدون الطهارة غير صحيح ، ولا ريب أنّ نتيجة المقدّمتين هي كون الوضوء الّذي ليس إلاّ الغسلتين والمسحتين بنيّة التقرّب مطهّراً ، فيترتّب عليه جميع آثار الطهارة .
وبعبارة أخرى : كلُّ وضوء مشتمل على الأفعال المخصوصة الّتي منه انيّة التقرّب مجوّزٌ للدخول في الصلاة ، ولا شيء من غير المطهّر بمجوّز للدخول في الصلاة ، فلا شيء من الوضوء الخاصّ بغير مطهّر ، فكلّ وضوء مطهّرٌ .
وبعبارة ثالثة : كلّ وضوء مشتمل على الأفعال المخصوصة يجوز معه الدخول في الصلاة وإن كان محدثاً ، وكلّ ما يجوز معه الدخول في الصلاة وإن كان محدثاً فهو مطهّر ، فالوضوء مطهّر .
أمّا الدليل على أولى المقدّمتين فهو إطلاق مثل الآية الشريفة ( 3 ) . والدليل على ثانيهما هي الأدلّة المتظافرة الدالّة على أنّه « لا صلاة إلاّ بطهور » ( 4 ) ، وهي تدلّ بالمطابقة
على كبرى التقريب الأوّل الّذي ينطبق على الشكل الثاني ، وبالالتزام على كبرى التقريب الثاني المنطبق على الشكل الأوّل .
إن قلت : إنّ الإطلاق المشار إليه بعد تقيّده بما دلّ على أنّه « لا صلاة إلاّ بطهور » ( 5 ) يعنون في مقام الحجّيّة بالمتّصف بالقيد المذكور فيصير مفاده جواز الدخول في الصلاة بالأفعال
هامش
( 1 و 3 ) سورة المائدة : 6 .
( 2 و 4 و 5 ) راجع وسائل الشيعة : ج 1 ص 365 ، الباب 1 من أبواب الوضوء .