شرح
وأمّا إن كان على نحو التقييد ففي صحّته إشكال .
وحينئذ ما الفرق بينه والمقام حيث قال بصحّة الوضوء ؟
قلت : يمكن التفريق بين المسألتين بوجهين :
أحدهما : أنّ المقرّب في مقامنا هو احتمال الأمر الموجود على كلا تقديري ثبوت الاستحباب وعدمه ; بخلاف ذاك المقام ، فإنّ ما قصد كونه مقرّباً - وهو الأمر التجديديّ - لم يكن ، وما كان من الأمر بالتطهير لم يقصد . ومنشأ ذلك أنّه لا يمكن أن يقال في هذا المقام : إنّ الاحتمال طريق والداعي هو الأمر المحتمل ، لأنّه يلزم عدم داعويّته على فرض عدم الأمر واقعاً ، وهو خلف ; بخلاف ذاك المقام ، فإنّ القطع طريق والداعي هو نفس الأمر التجديديّ المعدوم بالفرض .
وإن شئت قلت : إنّ الداعي في هذا المقام هو الاحتمال الموجود على التقديرين حتّى في نظره ، وفي ذلك المقام يكون الداعي هو الأمر التجديديّ بحسب نظره وإن كان المحرّك واقعاً هو القطع الموجود على كلّ حال ، لكنّه لم يتقرّب بالقطع بل تقرّب بالأمر المعدوم ، بخلاف هذا المقام ، فإنّه قصد التقرّب إلى الله تعالى بإتيان ما يحتمل كونه مطلوبه ولو لم يكن كذلك .
وإن شئت مزيد توضيح للفرق بينهما من الجهة المذكورة فقس المقام بباب التمليك : فلو صالح هذا المحتمل لكونه عبداً حبشيّاً أو حماراً وحشيّاً لكان صحيحاً ، ولو صالح هذا العبد الحبشيّ فبان حماراً وحشيّاً لم يصحّ . ولعلّه يأتي إن شاء الله تعالى مزيد توضيح وتحقيق ، وهو المستعان .
ثانيهما : أن يقال بحصول الطهارة في المأتيّ برجاء المطلوبيّة الاستحبابيّة في هذا المقام ، من باب أنّ الوضوء المذكور على تقدير كونه مستحبّاً رافع للحدث ، من باب أنّ الأمور المعهودة توجب مرتبةً من الحدث ترفع بالوضوء ; فالمأتيّ برجاء المطلوبيّة الاستحبابيّة عين المأتيّ برجاء رفع الحدث ، لأنّ ما هو المطلوب استحباباً على فرض ثبوته ليس إلاّ رفع الحدث ، فالأمر المحتمل المقصود هو رافع الحدث المنطبق على الواقع ، وحيث لا يكون الأمر المذكور على فرض ثبوته بنحو الاستحباب متعلّقاً