شرح
نسب إلى سيبويه أنّه أنكر أن يكون الباء بمعنى التبعيض .
وتحقيق ذلك أنّ انتساب موادّ الأفعال إلى المتعلّقات يختلف من حيث الاستيعاب وعدمه بملاحظة مناسبات المقام والمناسبات العرفيّة بين الحكم والموضوع ; فلو قيل : « غسلت يدي أو وجهي أو أغسلهما » يكون الظاهر هو غسل الجميع ، ولكن لو قيل : « ألصقت يدي بوجهي أو مسست يدي به » لا يفهم منه إلاّ الإلصاق بالنسبة إلى البعض . وحينئذ إذا لم يكن الباء بمعنى التبعيض وكان مفيداً للإلصاق فتصير المادّة المنسوبة إلى الرأس في المبحوث عنه هو الإلصاق ، ومن المعلوم أنّ الإلصاق لا يكون مثل الغسل ، بل هو أظهر في كفاية التبعيض من مادّة المسح وإن كان الظاهر عندي أنّ المسح لا يكون مثل الغسل حتّى يكون الظاهر منه الاستيعاب كما سنذكره إن شاء الله تعالى .
ومنها : صحيح زرارة المرويّ في كتب المشايخ الثلاثة قدّس الله أسرارهم ، ففي الوسائل عن الفقيه بإسناده عن زرارة ، قال :
قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : ألا تخبرني من أين علمت وقلت : إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك فقال : « يا زرارة قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال : ( فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ) ( 1 ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل ، ثمّ قال : ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ا لْمَرَافِقِ ) ( 2 ) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين ، ثمّ فصل بين الكلام فقال : ( وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ ) ( 3 ) فعرفنا حين قال : ( بِرُءُوسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس ، لمكان الباء ، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال : ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) ( 4 )
فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما . . . » ( 5 ) .
بيان : قوله ( عليه السلام ) : « فعرفنا أنّ الوجه . . . » لعلّه لما ذكرناه من أنّ العرف يحكم في استناد الغسل إلى الوجه - مثلاً - بالاستيعاب كما هو واضح .
قوله ( عليه السلام ) : « فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه » لعلّه إشارة إلى كونه معطوفاً على الوجه فيتعلّق به قوله تعالى ( فَاغْسِلُواْ ) ، فيحكم فيها بالاستيعاب ، لعين الوجه المذكور في الوجه .
هامش
( 1 و 2 و 3 و 4 ) سورة المائدة : 6 .
( 5 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 412 ح 1 من ب 23 من أبواب الوضوء .