قاصداً ذلك من الأوّل بل لا يترك في هذه الصورة [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] أقول : وكان الوجه في ما ذكره ( قدس سره ) في المسألة أنّها من مصاديق الشبهة غير المحصورة ; واحتمالُ الاستقبال أو الاستدبار في كلّ جزء من أجزاء الدائرة غيرُ معتبر عند العقلاء في مقام الموافقة والمخالفة ، فهو بحكم العدم بنظرهم . وحينئذ إذا كان عملٌ واحد مشتملاً على المخالفة القطعيّة فلا إشكال في كونه مخالفةً للمولى وعصياناً له ، وإذا كان المكلّف قاصداً من أوّل الأمر إلى استقصاء تمام المحتملات فمن المحتمل غير البعيد أن يكون أيضاً مخالفةً وعصياناً ، ولذا لا بد من الاحتياط ; وأمّا في غير الصورتين فلا بأس بها .
وفيه : أنّه على فرض كون الشبهة من غير المحصور لا إشكال في أنّ العقلاء يحكمون على من استقصى تمام المحتملات أنّه خالف وعصى في هذا المورد ، لما كان مورد الاحتمالات غير المحصورة محصوراً ، ولذا لو علم بنهي المولى عن التصرّف في ذراع من الدار الّتي مساحتها ألف وخالف العبد وتصرّف في الدار عدّ عاصياً ومخالفاً له . هذا .
مع أنّه لو فرض بناء العقلاء على جواز الاقتحام في جميع الأطراف فلا ريب أنّه ليس إلاّ أمارةً من سنخ الأمارات الشرعيّة التأسيسيّة ، كالبيّنة القائمة على طرفي العلم الإجماليّ بما يخالفه ، فلا بد أن يقال بسقوطها عن الحجّيّة للتعارض كما بيّن في محلّه .
وأمّا ما في المستمسك « من جواز المخالفة مطلقاً نظراً إلى أنّها مقرونة بالموافقة القطعيّة ، ولا ترجيح للموافقة الاحتماليّة المقرونة بالمخالفة الاحتماليّة على المخالفة القطعيّة المقرونة بالموافقة القطعيّة » ( 1 ) فمدفوعٌ بعدم دوران أمر المكلّف بين الموافقة الاحتماليّة المقرونة بالمخالفة الاحتماليّة والمخالفة القطعيّة المقرونة بالموافقة القطعيّة ; بل لو تخلّى مرّةً أخرى إلى جانب آخر لا يكون مبتدئاً به فقد وافق قطعاً وتجنّب عن الاستقبال والاستدبار ولم يخالف إلاّ على نحو الاحتمال .
ومنه يعلم أنّ الأقوى بحسب الظاهر التخلّي إلى جانب آخر غير مقابل للجانب الأوّل ، ويحرم عليه استقصاء جميع الجوانب . والله العالم .
هامش
( 1 ) مستمسك العروة الوثقى : ج 2 ص 201 - 202 .