شرح
المؤمن على المؤمن حرام » شامل للمقام ، فيجمع بينهما بكون المراد من تلك الأخبار أنّ المهمّ هو حرمة إذاعة سرّه وليس المقصود حرمة النظر إلى سوأتيه بالخصوص ، فتأمّل .
الثالثة : أنّ موثّق حنّان المتقدّم ( 1 ) المشتمل على قوله - بعد الحكم بالستر - : « فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : عورة المؤمن على المؤمن حرام » ظاهر في أنّ علّة وجوب الستر إنّما هي حرمة النظر . وتعليل وجوب الستر بأنّه على تقدير عدمه يقع النظر الحرام دليل على عدم كون الستر واجباً بنفسه ، ودليل أيضاً على عدم كون النظر بما هو علّة للحرام ، فإنّ ظاهر التعليل أنّ العلّة هو النظر المحرّم ، ومقتضى ذلك كون الحرام منحصراً في
النظر إلى العورة وأنّ الحكم بالستر إنّما هومن باب عدم حصول الإعانة على الإثم ، لا أنّه حرام ولو مع كون الناظر مجنوناً أو طفلاً - كما سبق - أو كونه غافلاً أو جاهلاً معذوراً .
والجواب عنها : أنّ ذلك لو كان التعليل بلحاظ مقام الثبوت ، ولكنّ الظاهر أنّه استدلال وتعليل للحكم في مقام الإثبات ، وليس بصدد كون الدليل منحصراً في ذلك ; وعلى الفرض المذكور لا يكون انحصار الدليل دالاًّ على وحدة الحكم ثبوتاً بعد عدم معلوميّة كون قوله ( عليه السلام ) لديهم حجّة أخرى في قبال قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فتأمّل .
الرابعة : يمكن أن يتوهّم أنّ التعليل الوارد في الآية الشريفة مشعر أو ظاهر في الاستحباب ، فإنّ قوله تعالى : ( ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ) لا يلائم الوجوب ، وظهور التعليل مقدّم على ظهور المعلّل له ولو كان في دليل منفصل كما هو المعروف المقرّر في محلّه .
والجواب عنها : أنّ التعليل بتفضيل المعلّل له على عدمه في حصول مقصود من التزكية أو الطهارة كما في قوله تعالى : ( فَسْلُوهنَّ مِن وَرَآءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ ) ( 2 ) وكما في قوله عزّ من قائل : ( وإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) ( 3 ) لا يدلّ على الاستحباب إلاّ بضمّ مقدّمة خارجيّة ، وهي عدم لزوم المرتبة العالية من المطلوب المشترك بين حصوله من المفضّل والمفضّل عليه ، وهو غير ثابت في المقام ; ألا ترى أنّه لو كان مريض مشرف بالموت محتاجاً إلى المراجعة إلى الطبيب فقيل له : « راجع الطبيب الفلانيّ ، فإنّه أعلم وأزكى » فإنّه لا يشكّ أحد في لزوم المراجعة إليه ، وذلك لأنّ خصوص المفضّل مورد للعناية اللزوميّة ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) في ص 489 .
( 2 ) سورة الأحزاب : 53 .
( 3 ) سورة النور : 28 .