شرح
يكون بنفسه موجباً له . والعمدة ما أشرنا إليه في صدر المسألة .
إن قلت : المستفاد من سيرة النبيّ والأئمّة ( عليهم السلام ) معاملة المسلمين مع المنافقين ، ومقتضى ذلك كونهم مسلمين ، للشهادة على التوحيد والنبوّة .
قلت : المنافقون على قسمين ، فقسمٌ منهم كانوا يظهرون الكفر والاستهزاء بالإسلام إذا خلوا إلى شياطينهم وكانوا سمّاعون لهم وكانوا يقولون : ( لاَ تُنْفِقُواْ عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ ) ( 1 ) ويقولون : ( لَئِنْ رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِيَنةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ) ( 2 ) .
لا إشكال في حصول الكفر لهذا القسم منهم ، ولا يمكن الحكم بإسلامهم واقعاً مع
ذلك . فسيرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معهم سيرة المسلمين إمّا من باب عدم علمه بخصوصهم كما تشهد بذلك الآية الشريفة : ( لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ( 3 ) ، وإمّا من باب أنّ حصول العلم من طريق الوحي لا يوجب معاملة الكفّار معهم ، وإمّا من باب كونهم مرتدّاً ملّيّاً تقبل توبتهم بتجديدهم الشهادة على الإسلام كما يشهد بذلك بعض الآيات الدالّة على تكرّر الكفر والإيمان من بعض الأشخاص ، وإمّا من باب التقيّة لحفظ دماء المسلمين .
والقسم الثاني - وهو الّذي يبحث عنه - هو الّذي لا يظهر الكفر عند أحد ، وهذا لم يثبت أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عامل معه معاملة الإسلام مع علمه بكفره ، فتأمّل .
وأمّا بعض الأشخاص المعروفين فلعلّه كان يتكرّر منهم التوبة ولم يعلم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ببقائهم في جميع الأوقات على عدم الالتزام بالدين وإن علم بقاءهم على عدم الإيمان بالله ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وعدمُ علمه بذلك لبعض المصالح لا ينافي أنّه إذا شاء علم ، لكنّه لم يشأ ، لأنّ الله تعالى لم يشأ له ذلك ; وذلك لا ينافي مع علم الأئمّة ( عليهم السلام ) بعد ذلك بعدم التزامهم بدين الإسلام طرفة عين ، فافهم وتأمّل .
وأمّا فرض عدم الالتزام مع حصول اليقين والتفوّه بالشهادتين فهو فرض نادر وإن لم يبعد الحكم بالكفر بحسب ما يؤدّي إليه النظر عاجلاً ، لكن لا بد من التأمّل .
ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه وأوضحناه من عدم دخالة اليقين في الإسلام ثبوتاً لا ينافي وجوب المعرفة وأنّه يجب على كلّ مكلّف تكميل إيمانه ، ولا يكتفي بالشكّ المقرون بالالتزام بالدين ، بل ولا بالظنّ ، فإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً .
هامش
( 1 و 2 ) سورة المنافقون : 7 و 8 .
( 3 ) سورة التوبة : 101 .