شرح
في الترجيح ، ففيها : « فقال : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما » ( 1 ) فإنّ المستفاد منه أنّ الترجيح بمجموع الصفات ; والأصدقيّة لا يحتمل فيها المرجّحيّة التعبّديّة كما لا يخفى ، فتأمّل . فلعلّ الأصحّ أن يقال : إنّ الأورعيّة الموجبة للترجيح هي ما إذا كان موجباً لاحتمال أقربيّة رأيه إلى الواقع .
الثاني : حكم العقل غير المستقلّ بعد احتمال تعيّن الأورع .
وأمّا العقل المستقلّ فلا يحكم بتقدّم الأورع ، لعدم كونه أقرب إلى الواقع بعد القطع بصدق كليهما أو الاطمينان بصدقهما .ومنه يظهر الوجه في تقدّم الأعلم على الأورع ، لأنّ دليل ترجيح الأورع - من المقبولة والعقل غير المستقلّ - لا يشمل ما إذا كان أحدهما أعلم والآخر أورع كما هو واضح . وكذا بالنسبة إلى الأعلم لا يقتضي الدليلان المذكوران ، فيبقى حكم العقل المستقلّ الّذي يحكم بتقدّم الأعلم على غيره .
ثمّ إنّه قد ظهر أنّ الوجوه الّتي يمكن الاستدلال بها على وجوب تقليد الأعلم أمور ثلاث بل خمس ، بناءاً على التمسّك بما رواه الصدوق عن داود بن الحصين في صورة اختلاف العدلين في حكم وقع فيه خلاف بين رجلين أنّ الصادق ( عليه السلام ) قال : « ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا » ( 2 ) والتمسّك بما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه كتب في العهد الّذي دوّنه للمالك حين ولاّه مصر : « اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك » ( 3 ) .
وأمّا وجه تقليد الأورع فمنحصر بالمقبولة على ما أعلم والوجه العقليّ المتقدّم ; فحينئذ لا وجه للإفتاء هنا والاحتياط هناك - كما في الكتاب - وإن كان الأقوى ما عرفت من التخيير وعدم تعيّن الأعلم ولا الأورع ، لما عرفت من الإطلاقات وعدم
تماميّة الوجوه الثلاثة المتقدّمة ، وأمّا الوجهان المذكوران في المقام فغير وجيهين كما لا يخفى ، فإنّ الرواية مرسلة بحسب الظاهر ، مضافاً إلى ورود بعض ما أوردناه على
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 18 ص 75 ح 1 من ب 9 من أبواب صفات القاضي .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 18 ص 80 ح 20 من ب 9 من أبواب صفات القاضي .
( 3 ) نهج البلاغة : عهده ( عليه السلام ) للمالك الأشتر .