شرح
ثمّ إنّه لا فرق في ما ذكرناه من كون التقليد - الّذي يكون موضوعَ الجواز - هو العمل بين ما إذا كان المجتهد الّذي يجوز تقليده واحداً أو متعدّداً ولا بين كون المجتهدين متّفقين في الرأي أو مختلفين :
أمّا في الصورة الأولى فواضح .
وأمّا في الصورة الثانية فلأنّ العمل المطابق لجميع الآراء تقليد بالنسبة إلى الجميع ، لأنّه عبارة عن نفس العمل ، فهو مقلّد لجميع المجتهدين قصد ذلك أو لم يقصد . والحاصل : أنّه لا دليل على لزوم التعيين في صورة التعدّد ، فهو كتعدّد الأخبار في المسألة الواحدة .
وأمّا في الصورة الثالثة فقد يقال بدخالة الالتزام في التقليد - كما في المستمسك - من جهة أنّه لا يمكن القول بحجّيّة كلا الرأيين ، فيكون كلا العملين مجزيين عن الواقع ، لوجود التكاذب والاختلاف ، ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر ، لأنّه ترجيح من غير مرجّح ; ولا يمكن القول بالتساقط والرجوع إلى غير الفتوى ، لأنّه خلاف السيرة والإجماع ، فلا بد أن يقال بأنّ الحجّة من الآراء هي ما التزم على العمل به ، فالالتزام واجب لتعيين الحجّة ( 1 ) .
وفيه أوّلاً : أنّ مقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في المسألة بشرط عدم خروجه عن الفتاوى المختلفة ، وما هو المخالف للإجماع والسيرة هو الرجوع إلى ما يخالف الفتوى ، وهذا رجوع في الحقيقة إلى الفتوى الموافقة للأصل وعملٌ على طبقها .
وثانياً : لا يتعيّن التعيين بالالتزام ، بل يمكن القول بالتخيير .
إلاّ أن يقال : إنّه يتعيّن الالتزام من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير .
وفيه أوّلاً : أنّ ذلك في ما إذا لم يكن في الطرف الآخر جهة أخرى يحتمل الترجيح بها ، كالأورعيّة ، أو كون رأيه مطابقاً للأصل ، أو كونه مطابقاً للشهرة ، أو كونه مظنون المطابقة عند المقلّد ، أو كون الطرف الآخر أكثر من الطرف الّذي التزم به ، أو غير ذلك من الجهات المرجّحة .
هامش
( 1 ) مستمسك العروة الوثقى : ج 1 ص 13 .