شرح
ولكن فيه - مضافاً إلى ضعف السند - : أنّ الظاهر من الصدر هو التقليد في الأصول أو الأعمّ منه ومن الفروع ، ولا ريب أنّ التقليد بهذا المعنى ليس إلاّ العمل بقولهم من باب حصول الاطمينان ، لا الأخذ بقولهم تعبّداً ، فذلك أجنبيّ عن المبحوث عنه .
فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ عمدة مدرك جواز التقليد للعاميّ هي السيرةُ المستمّرة إلى زمان الأئمّة ( عليهم السلام ) ، والأخبارُ الدالّة على جواز الإفتاء والرجوعِ في المخاصمة وفي الحوادث الواقعة إلى العارفين بالأحكام ورواة أحاديثهم ( عليهم السلام ) ، وغيرُ ذلك من الطوائف السابق ذكرها . وهذه الأدلّة كما عرفت تقتضي جواز التقليد للعاميّ ولو مع إمكان الاحتياط ، لعدم التقيّد بذلك مع ندرة تحقّق القيد بالنسبة إلى جميع الأحكام .
إن قلت : إنّ الأدلّة المذكورة لا تدلّ إلاّ على حجّيّة الفتوى بنحو كانت معمولةً في زمان الأئمّة ( عليهم السلام ) من نقل معنى الرواية أو ذكر أحد مصاديق ما سمع وأخذ منهم ( عليهم السلام ) ، فإنّ الاجتهادَ المعمول في هذا الزمان المتوقّف على التخصّص التامّ الّذي لا يحصل إلاّ للأوحديّ من المستعدّين غيرُ الاجتهاد والإفتاء الّذي كان في عصر الأئمّة ( عليهم السلام ) ، فإنّ مثل أبان ومحمّد بن مسلم كانا يأخذان الفتوى عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) ويفتيان بها للناس وينقلان لهم ما سمعاه من الأئمّة ( عليهم السلام ) بلفظه أو بالمعنى أو بذكر بعض مصاديقه ، وليس ذلك إلاّ مثل نقل الفتوى في عصورنا عن المجتهدين ، فإنّ ناقل الفتاوى في هذا العصر ليس بمجتهد ، وليست حجّيّة قوله في نقل الفتوى عن الرسالة مستلزمةً لحجّيّة الفتوى الحاصلة عن الاجتهاد الواقع لمن بذل شطراً وافياً من عمره في تحصيل العلوم مع الاستعداد التامّ مع جهد وتأمّل كثير في المسألة المفتى بها ، خصوصاً مع وضوح أنّ بعض الفتاوى في زماننا
ليس مبنيّاً على النصوص الخاصّة أو العامّة ، بل المبنى في كثير من المسائل هو الأمور العقليّة ، كمسألة وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ ، وكمسألة وجوب مقدّمة الواجب شرعاً ، أو مسألة حرمة الضدّ شرعاً ; فشتّان بين إفتاء أبان وزكريّا بن آدم القمّيّ وإفتاء علماء هذه العصور ، فدلالة الأدلّة على حجّيّة مثل ذلك الإفتاء غير مستلزمة لحجّيّة الإفتاء المعمول في العصور المتأخّرة عن عصر الوحي والمعصومين .
قلت : الّذي يظهر من التتبّع في الروايات أنّ استخراج الحكم في عصرهم ( عليهم السلام ) لم يكن