تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨

قيمة هذه الكنية :

وقد كان علي « عليه السلام » يعتز ويأنس بكنية « أبي تراب » ، لأنه كان لا يرى الدنيا هدفاً له ، يعيش من أجله ويضحي في سبيله ، وإنما يعتبرها وسيلة إلى هدفه الأسمى ، وغايته الفضلى ، ومن يرى نفسه منسجماً في تصرفاته مع هدفه ، ومع نظرته ؛ لا بد أن يرتاح ، وينشرح لذلك . فكانت هذه الكنية من النبي « صلى الله عليه وآله » له بمثابة إعلام له : بأنه سوف يبقى في مواقفه وتصرفاته محتفظاً بالخط المنسجم مع أهدافه ، وأنه سوف يستمر في وضعه للدنيا في موضعها الذي يليق بها ، ولن تغره بزبارجها وبهارجها ، ولن يبتلي بالتناقض بين مواقفه وتصرفاته ، وبين ما يعتبره هدفاً له . فمن أجل ذلك وسواه كانت هذه الكنية أحب كناه إليه « عليه السلام » . وأما الأمويون ، الذين كانوا يعيِّرونه « عليه السلام » بهذه الكنية ، فقد كان موقفهم أيضاً منسجماً مع نظرتهم ومع ما يمثل القيمة عندهم ، فإن غايتهم وهدفهم هو الدنيا ، وعلى أساس وجدانها وفقدانها يقيّمون الأشخاص والمواقف ، فيحترمون أو يحتقرون . وإذا كان علي أبا تراب ، ولا يهتم بالدنيا ، ولا يسعى لأن ينال منها إلا ما يحفظ له خيط حياته ، انطلاقاً من الواجب الشرعي ، ويبلغه إلى أهدافه التي رسمها الله سبحانه له ، فإن بني أمية سوف يرونه فاقداً للعنصر الأهم الذي يكون به المجد الباذخ ، والكرامة والسؤدد بنظرهم ، ويصبح من الطبيعي أن يعيروه بكنية من هذا القبيل ، فإن ذلك هو المنسجم كل