292 - فإن جابرا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على
شهداء أحد . وأكثر الصحابة يروون أنه صلى عليهم ، حتى رووا أنه
صلى على حمزة رضي الله عنه سبعين صلاة . كان موضوعا بين يدي
رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما أتى رجل صلى عليه وعلى حمزة معه .
وكان جابر رضي الله عنه يومئذ قتل أبوه وخاله . فكان مشغولا
بهما ، لم يشهد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء ، على
ما روى أنه حملهما إلى المدينة فنادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن ادفنوا القتلى في مضاجعهم . فردهما .
ولا شك أن توهم الغلط في روايته أظهر .
293 - ثم أهل المدينة يقولون : إن الصلاة على الميت استغفار له
وترحم عليه ، والشهيد يستغنى عن ذلك ، فإن السيف محاء للذنوب .
ونحن نقول : الصلاة على الميت من حق المسلم على المسلم كرامة له ،
والشهيد أولى بهذه الكرامة . ولا إشكال أن درجة الشهيد دون درجة من غفر له
ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وقد صلى عليه أصحابه ، والناس يقولون : وارحم
محمد وآل محمد في الصلاة ، فعلمنا أنه لا يبلغ الشهيد درجة يستغنى بها عن
استغفار المؤمنين والدعاء بالرحمة له . ومن يقول منهم إن الشهيد حي بالنص
ولا يصلى على الحي فهذا ضعيف أيضا ، لأنه حي في أحكام الآخرة فأما
في أحكام الدنيا فهو ميت في حقنا ، يقسم ميراثه ، ويجوز لزوجته أن تتزوج
بعد انقضاء العدة . والصلاة على الميت من أحكام الدنيا إلا أنه لا يغسل ليكون
ما عليه شاهدا له على خصمه يوم القيامة .
شرح السير الكبير — صفحة 231
مساهمون: السرخسي
ص٢٣١