مشتقّ من النفس المنسوب إلى الرحمن ، وبيّن أنّ تلك الجهة الجمعيّة التي بها يظهر العالم بأجناسه وأنواعه وأشخاصه لا بدّ لها من هيأة وحدانيّة اعتداليّة في كلّ منها ، هي منهج ظهور ذلك النوع وصراط صورته الخاصّة ، بحيث لو تجاوز عنها إلى طرفيها من الإفراط والتفريط لم يمكن ظهورها أصلا .
( فما أحد من العالم إلا على صراط مستقيم ، وهو صراط الربّ تعالى ) فإنّه لكل نوع ربّ يحفظ ذلك الهيئة الوحدانيّة على استقامتها ( وكذا علمت بلقيس من سليمان ) عند إسلامها من دقائق حكمه ، وإذعانها له في لطائف إرشاده وهدايته ، ( فقالت * ( لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * ) [ 27 / 44 ] مفصحة عن معبودها بأسمائه الإلهيّة والربوبيّة ، وسماته الكيانيّة ، بما يكشف عن المعيّة المذكورة ، لما في الربّ من معنى النسبة التي يلازم طرفيها معا ، ولذلك عمّت ( وما خصّصت عالما من عالم ) فإنّه لو أنّها ما علمت من سليمان تلك المعيّة الإطلاقية ما عمّت ، بل خصّصت كما خصّص بنو إسرائيل .
[ التسخير المختصّ بسليمان عليه السّلام ]
ثمّ لما ظهر أمر بالغيّة حجّة سليمان في إسلام بلقيس وإرشاده لها ، إلى أن بلغت مراقي كمالها على ما بيّن ، شرع في تحقيق دامغيّة ضربته على الترتيب المشار إليه أولا بقوله : ( وأما التسخير الذي اختصّ به سليمان وفضل به على غيره ، وجعله الله من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده : فهو كونه عن أمره ) وقوله وآثار منطوق كلامه وحرفه ( فقال : * ( فَسَخَّرْنا لَه ُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه ِ ) * [ 38 / 36 ] فما هو من كونه تسخيرا ، فإنّ الله يقول في حقّنا كلَّنا من غير تخصيص : * ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه ُ