إنما خصّص لما رأى السحرة ) - الذين جعلهم مقابلين لموسى ومناظرين له توهينا لأمره وإهانة له . وذلك لابتذال السحر بين الناس واختصاص مباشريه بين كل قوم بالخسّة والاحتقار - ( قالوا في إيمانهم باللَّه * ( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) * ) [ 7 / 122 ] فمنع فرعون احتشام علوّه في الأرض وغلوّه في الاستكبار أن يتبعهم في ذلك القول استنكافا عن تقليدهم ، وإباء عن الاقتداء بهم في ذلك ، فغيّر العبارة وقال : « آمنت بالذي * ( آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ » . والعجب حال من لم يتفطَّن لهذه اللطيفة المصرّح بها ، وارتكب المجاز في نسبة ذلك القول إلى فرعون « 1 » .
( فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان ، إذ قالت : * ( مَعَ سُلَيْمانَ ) * [ 27 / 44 ] وعنت بهذه المعيّة المقارنة بسليمان في نفس هذا الانقياد والإذعان بما يستتبعه ، لا المقارنة الزمانيّة و « 2 » المكانيّة . وبيّن أن المراد بالمعيّة والمقارنة - إذا كان - هو المقارنة في الفعل ، يلزم أن يكون المتقارنان متساويين في طريان ما يلزم ذلك الفعل من الأحوال والأوضاع ، وبلقيس إذ « 3 » قارنت بسليمان - تلك المقارنة - ( فتبعته ) في سائر عقائده وأحواله ، ولازمته في مسالكه بجميع أغوارها وأنجادها ( فما يمرّ بشيء من العقائد إلا مرّت به معتقدة ، ذلك كما نحن على الصراط المستقيم الذي الربّ عليه ، لكون نواصينا في يده ، ويستحيل مفارقتنا إيّاه ) فيجب مقارنتنا له في جميع الأفعال والأقوال وجملة الأحوال .
هامش
« 1 » إشارة إلى ما قاله الكاشاني في شرحه ( ص 240 ) : « وإنما نسب إليه الشيخ الإيمان برب موسى وهارون ، لأن إيمان بني إسرائيل إنما كان برب موسى وهارون ، فأسند إليه مجازا ، وإلا لم يقل فرعون : رب موسى وهارون » . وقد تبعه في ذلك القيصري ( ص 937 ) أيضا .
« 2 » د : و .
« 3 » د : إذا .