[ إشارة سليمان عليه السّلام بالتباس أمر الوجود على الناس ]
هذا بيان علم سليمان ، وأنّه النعمة السابغة على البريّة ، وأما بيان إثباته لذلك العلم ، وأنّه الحجّة البالغة فيه . فإليه أشار بقوله : ( ثمّ إنّه من كمال علم سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح ) أي استحضره فإنّ « الذكر » هو استحضار الشيء ، وهو إمّا بالفعل في القلب ، وإما بالقول في الحسّ ، وهذا يشملهما . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلدلالة قوله : ( ف * ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) * ) [ 27 / 44 ] وهو البيت العالي المروّق ، الخالص من الشوب ، الصافي من الكدر ، ومنه جاء : « صراحا » أي جهارا ، و « هذا أمر صريح » أي لا تعريض فيه ولا خفاء . وفيه إيماء إلى ما أشار إليه سليمان قولا ، وهو قوله سائلا عنها : * ( أَهكَذا عَرْشُكِ ) * [ 27 / 42 ] فإن ذلك تنبيه قوليّ غير صريح في المراد ، وهذا فعليّ محسوس صريح فيه .
( وكان صرحا أملس ، لا أمت فيه ) ولا اعوجاج ( من زجاج * ( فَلَمَّا رَأَتْه ُ حَسِبَتْه ُ ) * ماء « 1 » ف * ( كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ) * حتى لا يصيب الماء ثوبها . فنبّهها بذلك على أنّ عرشها الذي رأته من هذا القبيل ، وهذا غاية الإنصاف فإنّه أعلمها بذلك إصابتها في قولها * ( كَأَنَّه ُ هُوَ ) * ) ذاهلة عن تلك الإصابة بإدخالها في صرح صريح المحسوسات وإراءتها ما عليه كلمتها من المطابقة للواقع ، والمخالفة لما عليه الأمر في نفسه .
( فقالت عند ) ظهور ( ذلك ) الحجّة البالغة والتنبيه الصريح : ( * ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) * ) بظلام الجهل وحجاب الكفر فيما كنت عليه قبل (
هامش
« 1 » عفيفي : لجة أي ماء .