- والغالب على ذوقهم من الصورتين هو الثانية منهما ، وهو أنّ الظاهر العالم ، كما قيل : « ظاهر لا يكاد يبدو » .
فلذلك قدّمه ذكرا وقال : « الذي يظهر فيه صور العالمين » ( من علو ) ، وهو طرف اللطائف من الوجوبيّات الروحانيّات ( - وهو السماء - ومن سفل ) وهو طرف الكثائف من الإمكانيات الجسمانيات ( - وهو الأرض - * ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) * ) لما عليه الأمر نفسه بدون تقيّده بالمدارك ، وحصره بما يعطيه المشاعر ، ( أو يظهر هو بها ) ، على أنّ الظاهر إنّما هو الحقّ ، والعالم آلة لظهوره ، وهو الغالب على ذوق أرباب العقول والحكم .
ثمّ إنّ كلام فرعون في طيّ هذه المقاولة لقومه وإن كان بحسب الظاهر لارتفاع شأن منصبه في نظرهم وحطَّ مرتبة موسى ، ولكن في نفس الأمر يفيد لهم قوّة الترقّي إلى كمالهم وذلك لما لهم من الرقيقة الإخلاصيّة بالنسبة إليه ولذلك لما قال لهم فرعون - عندما قال موسى - : * ( أَلا تَسْتَمِعُونَ ) * استحقّوا
هامش
( 1 ) فصار محصل روح معنى الجواب حينئذ هو ما يظهر فيه وبه سائر الأشياء كلها ، وهو الغني في الظهور والحضور من جهة مائيته التي هي إنيّته بعينها عن العالمين وعن تمام الأشياء جلّها وقلها . فهو أول الأوائل مائية ، كما هو أول الأوائل إنية . كيف لا وهو النور الظاهر في نفسه ، المظهر لكل ما هو غيره ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ 41 / 53 ] مائية كانت الشيئية أم إنيّة ؛ وثم كيف لا ، وهو منقطع الإشارات كلها ، أي ما ينحل إليه الإيماءات ، كما هو مقتضى أول الأوائل الذي لا أول له تثبّت فيه نوري .
( 2 ) د : - فيه .
( 3 ) إن مذاق أهل الذوق والشهود ومشربهم أن يستشهدوا به سبحانه على غيره . وهم الصديقون والعريفون . ويشهد لهم ولمشربهم قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ 41 / 53 ] . وأما مسلك أصحاب العقول وهم أهل العلم والعلم هو الحجاب الأكبر من الحكماء الإلهيين : فبأن يستدلوا بالأشياء عليه ، ويستشهدوا بغيره تعالى عليه . كما قيل إن مسلكهم تجري على مجرى قوله تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا ) الآية [ 41 / 53 ] .