وإنّك قد عرفت أنّ الكيفيّات والانفعالات وما يجري مجراها - مما يختصّ به الكثائف - لا يناسب المعبود الإله ، وهو لا يتّصف به في لسان الظاهر ، ولذلك قال : ( * ( لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ ) * [ 6 / 103 ] ، بل * ( هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ ) * للطفه وسريانه في أعيان الأشياء ) وبيّن أن الساري في الشيء لا يقبل قوّة الإبصار ، فإنّها إنما يتعاكس أشعّتها أو يتمثّل انطباعها في كثيف غير نافذ ولا سار في بطون آخر - كما عرفت أمره في المقدمة - .
( ف * ( لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ ) * [ 6 / 103 ] كما أنّها لا تدرك أرواحها المدبّرة أشباحها وصورها الظاهرة ) يعني الحيوانيّ والنفسانيّ والطبيعيّ فإنّ قوّة البصر لا يدرك شيئا منها مع ظهور آثارها وأفعالها ( فهو * ( اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * ) ، فاللطف إشارة إلى كماله في الظهور ، والخبرة إلى كماله في الإظهار ( و ) ذلك لأنّ ( الخبرة ذوق ، والذوق تجلّ ، والتجلَّي في الصور ) ، فإنّ التجلي إنما هو الظهور فلا بدّ له من المظهر ، ( فلا بدّ منها ) - يعني الصور ، فإنّها مظاهر التجلَّي - ( ولا بدّ منه ، فلا بد أن يعبد من رآه ) في تلك الصور والمظاهر ( بهواه ) أي بحكمه وقهرمانه ، فإنّ الهواء هو الرقيقة بين تلك الصور والمجالي ، وبين من يهيم بها ممن رآه فيها . ولكن لما كان إظهار هذا لا يوافق كمال العبوديّة وجلال عزّة المعبود - كما عرفت آنفا - طوى عن الإفصاح به ، فالأمر فيه موكول إلى الفهم والفطانة ، وأشار إليه بقوله : ( إن فهمت ) . * ( ( وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ) مطلقا ، سواء ساق إليه الشرع ، أو قاد إليه الهوى .
هامش
( 1 ) م : ولا سارى . د : والأسارى .
( 2 ) د : واليه أشار .