وأحد الحدود هو نهاية الكثرة الكليّة وكبرها ، والآخر هو غاية القلَّة الجزئيّة وصغرها ، ثمّ أنّ العبد من حيث أنّه محصور جزئي إنما يقرب إليه الحدّ الثاني منهما : فتبيّن أن الكبير الكثير لا يعلم حتى يتقدّر حدّه بالصغير القليل ، فلذلك عيّن أصغر الأشياء في الغذاء والمغتذي إبانة لطريق معرفة الكلّ من كلّ شيء .
وهذا مما يؤيّد ما عليه المحقّقون من أنّ أصل الحقائق وخصوصيّاتها هو العدد وإنما يستعلم تلك الخصوصيّات من الفحص عمّا يختصّ به من الرتبة المقداريّة العدديّة وبيّن أنّه لا يعلم ذلك إلَّا بعد معرفة الأصغر مطلقا ويقدّر الكلّ من كلّ شيء به ، ولذلك جاء بالأصغر .
( ولو كان ثمّ أصغر لجاء به ، كما جاء بقوله تعالى : * ( إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً ) * [ 2 / 26 ] ثمّ لما علم أنّه ثمّ ما هو أصغر من البعوضة قال : * ( فَما فَوْقَها ) * [ 2 / 26 ] يعني في الصغر وهذا قول الله ، والتي في الزلزلة قول الله أيضا ) حيث عيّن المقدار المعين في الذرّة ( فاعلم ذلك فنحن نعلم أنّ الله تعالى ما اقتصر على وزن الذرّة وثمّ ما هو أصغر منها ، فإنّه جاء بذلك على المبالغة ) هذا على الظاهر من القول وأمّا حقائقه بحسب خصوصيّات الحروف والأعداد فلا يحتمل إظهاره كلّ وقت ، إلى أن يطلع من أفق البيان فضل الكمال الختمي وزيادة علمه على مقتضى الوعد الموعود وإليه أشار بقوله : ( والله أعلم ) .
ثمّ إنّ أمر التلطيف والتصغير الذين يستتبعان حكم السريان قد غلب على هذه الحكمة ، حتى ظهر في المرتبة الكلامية عند الخطاب إلى ابنه ( و ) إليه
هامش
( 1 ) د : مقدار .