فأخذ في تبيين القسمين بقوله :
[ الآتي بكل شيء هو الله تعالى ]
( والحكمة قد تكون متلفّظا بها ، ومسكوتا عنها مثل قول لقمان لابنه ) فيما هو بصدده من أمر التغذية ، وجعل الغذاء فيها متّحدا بالمغتذي وأنّ الآتي به من مستجنّ البطون إلى مجالي الشهادة هو الله تعالى مظهرا إيّاه ، منطوقا به : ( * ( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ ) * ) أي مقدارا يقدّر به الكميّة العدديّة من موزونات الأشياء ، فهو أصغر المقادير من الصورة المشخّصة الحبيّة من جنس الخردل الذي هو أصغر الحبوب المقتاتة وأبعدها نسبة إلى الاتّصال الغذائي لغلبة المزاج الدوائي عليه ، المانع عنه من التقطيع الذي يستتبع تنفيذ الكيموسات اللزجة - ويقال من اللغة : « خردلت اللحم » أي قطعته قطعا - فإذا كان هذا المقدار من حبّة من هذا الجنس البعيد عن الاتّصال الغذائي والامتزاج الوحداني ، ويكون في أبعد المواضع للتناول ( * ( فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ ) * ) هي أصلب المركَّبات وأشدّها منعا لاستخراج ما فيها يعني المادّيات المزاجيّة المانعة لخروج ما فيه ، ( * ( أَوْ في السَّماواتِ ) * ) من البسائط العلى ، يعني المجرّدات المنزّهة عن الموادّ التي هي أبعد منها ، ( * ( أَوْ في الأَرْضِ ) * ) وهي أرض القابليّة الأصلية التي تنزل منها المتحرّك نحو الظهور إلى السماء - وكأنّك قد نبّهت عليها - فله زيادة البعد ، ( * ( يَأْتِ بِهَا الله ) * ) [ 31 / 16 ] للامتزاج الجمعي والاتّصال الوحدانيّ الغذائيّ فكيف بما دونه والآتي المحرّك له هو الله .
هامش
( 1 ) خردلت اللحم : أي قطعته صغارا - بالدال والذال جميعا - ( الصحاح : خردل ) .