[ تقسيم الرحمة بالوجوبيّة والامتنانيّة ]
( ثمّ إنّ الرحمة ) لها تقسيم آخر باعتبار وصولها إلى المرحومين ونيلهم منها ، فإنّها ( تنال على طريقين : طريق الوجوب ) أي اللزوم المترتّب على ما يقتضيه اقتضاء ضروريّا ، كما نصّ عليه الشارع في القرآن الختمي ( وهو قوله : * ( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) * ) [ 7 / 156 ] ، فإنّه يدلّ على أنّ الرحمة قد أوجبها على نفسه للعالمين ، الذين يجعلون أنفسهم وقاية للحقّ في الذمّ ، والحقّ وقاية لهم في الحمد - كما سبق بيانه - وللعالمين الذين ينمون بجوارحهم الظاهرة والباطنة عند ازدياد الأعمال منها والأفعال والأقوال ، فإنّه يزيد بها مرتبة أخرى من الوجود على شخصه ، أو الذين يعلَّمون الطالبين ذلك وأصل الزكاة :
النموّ ، يقال : زكى الزرع : إذا حصل له نموّ . وإليه أشار بقوله : ( وما قيدهم به من الصفات العملية والعلمية ) .
( والطريق الآخر الذي تنال به هذه الرحمة طريق الامتنان الإلهيّ الذي لا يقترن به عمل ) ولا يوازيه من العبد فعل أصلا ، كالوجود وما قبله من مراتب الرحمة . وإليه إشارة من القرآن الختمي ( وهو قوله : « وسعت رحمتي كل شيء » ) ، هذا لسان الإجمال الشامل لمراتب الرحمة إجمالا ، وفيه ما يدلّ عليها تفصيلا ، ( ومنه قيل : * ( لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ ) * ) على هذه النشأة ( * ( من ذَنْبِكَ وَ ) * ) وهو ما يتأخّر عن رتبة الاعتبار من الأوصاف الحدثانيّة والأحكام الإمكانيّة ، فإنّ أذناب القوم أراذلهم ، وذنب الدابة : هو ما يتأخّر من أعضائه عن درجة الاعتبار ورتبة الاحتياج ( * ( وَما تَأَخَّرَ ) * ) [ 48 / 2 ] منها ، فإنّ الفتح المبين الذي تفرّد به الخاتم يستتبع هذه الرحمة الامتنانيّة التي