عند التحقيق - الذي بالواسطة بيد الله ، كما سبق في بحث المشيئة تحقيقه .
وكان قوله : « وليس إلا ذلك » إشارة إلى هذا المعنى .
( ومن تولَّاها بغير أمر الله فقد ظلم نفسه ) من حيث أنه هدم صورته الكاملة ( وتعدّى حدّ الله فيها ) ومن حيث أنه حكم بالكفّ عنه ( وسعى في خراب من أمره الله بعمارته ) وهو إصلاح الصورة وإتمام أمرها . فإنّ سائر الأنبياء إنما وضعوا الأحكام لإتمام تلك الصورة وإحكام نظامها ، فإن سائر تلك الأحكام متعلقة بأفعال هذه الصورة ، والفعل تمام صورة الشخص .
[ مراد الخالق إبقاء الحياة وتعميرها ، لا هدمها ]
( واعلم أنّ الشفقة على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغيرة في الله ) فإنّ الأول مبدؤه وأصله الرحمة . والثاني منشؤه القهر والغضب . فإنّ سائر أوصاف العبد وأفعاله فرع أوصاف الحقّ وظلالها . وقد عرفت أنّ الرحمة هو السابق حكما وإحاطة ، فهي أحقّ بالرعاية لقربها إلى الذات ، فكذلك ما يتفرّع عليها من أوصاف العبد .
ومما يؤيّد ذلك أن داود لما تمّ له أمر الخلافة والرسالة استقرّ على عرش إيالته و ( أراد داود بنيان بيت المقدس ، فبناه مرارا ، فكلَّما فرغ منه تهدّم . فشكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه : إنّ بيتي هذا ) - أي البيت المقدس - ( لا يقوم على يدي من سفك الدماء ) وذلك لأنّ سفك الدماء مبدؤه من الغيرة ، التي إنّما تنشأ وتشتقّ من « الغير » ، وهو ينافي التقدّس .
( فقال داود : « يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك ؟ » . قال : « بلى ، ولكنهم أليسوا بعبادي ؟ » . قال : « يا رب فاجعل بنيانه على يدي من هو منّي » .