و إنّما تركناه ( 1 ) لكمال المعرفة ، فإنّ المعرفة لا تقتضيه به حكم الاختيار .
فمتى تصرّف العارف بالهمّة في العالم فعن ( 2 ) أمر إلهىّ و جبر لا به اختيار .
و لا نشكّ ( 3 ) أنّ مقام الرّسالة يطلب التصرّف لقبول الرّسالة الَّتي جاء بها ، فيظهر عليه ما يصدّقه عند امّته و قومه ليظهر دين الله ، و الولىّ ليس كذلك . و مع ( 4 ) هذا فلا يطلبه الرّسول في الظَّاهر ، لأنّ للرّسول الشفقة على قومه ، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجّة عليهم ، فإنّ في ذلك هلاكهم : فيبقى عليهم . و قد علم الرّسول أيضا أنّ الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة ، منهم ( 5 ) من يؤمن عند ذلك و منهم من يعرفه و يجحده و لا يظهر التّصديق به ظلما و علوا و حسدا و منهم من يلحق ذلك بالسّحر و الإيهام . فلمّا رأت الرّسل ذلك و أنّه لا يؤمن إلَّا من أنار الله قلبه بنور الإيمان : و متى ( 6 ) لم ينظر الشّخص بذلك النّور المسمّى ايمانا فلا ينفع في حقّه الأمر المعجز . فقصرت الهمم عن طلب ( 7 ) الأمور المعجزة لما لم يعمّ أثرها في النّاظرين و لا في قلوبهم كما قال في حقّ أكمل الرّسل و اعلم الخلق و أصدقهم في الحال « إِنَّكَ لا تَهْدِي ( 8 ) من أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ » .
و لو كان للهمّة اثر و لا بدّ ( 9 ) لم يكن احد اكمل من رسول الله - صلَّى الله عليه و سلَّم - و لا أعلى ( 10 ) و لا أقوى همّة ( 11 ) منه ، و ما أثرت في إسلام ابى طالب عمّه ، و فيه نزلت الآية الَّتي ذكرناها ( 12 ) : و لذلك قال
هامش
( 1 ) و : تركه . س : تركناه بكمال المعرفة .
( 2 ) و : فمن امر .
( 3 ) د ، س ، و : و لا شك .
( 4 ) س : وقع مع هذا .
( 5 ) د ، س ، و : فمنهم .
( 6 ) س : و في لم يتطر .
( 7 ) و : عن طلب المعجزة .
( 8 ) س : يهتدى .
( 9 ) س : و الأبد .
( 10 ) س : و لا اعلى و اقوى .
( 11 ) و : عمّه منه .
( 12 ) د : ذكرنا .