بوجود المثل - بل المقصود المبالغة في التنزيه ، كما يقال : مثلك لا يغضب . أي ، من
يكون متصفا بالحكم ، كما أنت متصف به ، لا يغضب . والغرض نفى الغضب
منه - يلزم التحديد أيضا ، لأن ما يمتاز عن الشئ ، محدود بامتيازه عنه ،
فسلب المثلية عنه تحدده . وهو المراد بقوله : ( تحققنا بالمفهوم ) أي ، علمنا حقيقة
بالمفهوم من الآية أنه محدود . وكذلك علمنا تحديده بالخبر الصحيح وهو : ( كنت
سمعه وبصره . . . ) . لأنه صار عين الأشياء ، والأشياء محدودة بحدود مختلفة .
و ( إن ) في قوله : ( وإن اختلفت حدودها ) . للمبالغة .
( فهو محدود بحد كل محدود ، فما يحد شئ إلا وهو حد للحق ) . لما كان
( الحد ) عبارة عن التعيين ، والحد الاصطلاحي إنما يسمى بالحد لأنه أيضا تعين
الشئ وتميزه عن غيره ، نقل ( 17 ) الكلام إلى الحد الاصطلاحي الموجب لتعين
الأشياء في العقل . وإنما جعله ( محدودا بحد كل محدود ) ، لأنه عين لكل محدود ،
فحده حد الحق .
وقوله : ( وهو ) عائد إلى ( الحد ) الذي يدل عليه قوله : ( فما يحد ) .
( فهو الساري في مسمات المخلوقات والمبدعات ) . أي ، فالحق هو الساري
في الحقائق المسبوقة بالزمان ، وهي المخلوقات ، وغير المسبوقات به ،
وهي المبدعات ( 18 )
( ولو لم يكن الأمر كذلك ، ما صح الوجود ) . أي ، ولو لم يكن سريان الحق
في الموجودات ، ما صح وجود موجود أبدا ، لأنه بالحق موجود لا بنفسه ، بل
هو الحق الظاهر بتلك الصورة . ( فهو عين الوجود ) . أي ، فالحق عين الوجود
المحض لا غيره .
هامش
( 17 ) - أي ، نقل الشيخ .
( 18 ) - واعلم ، أن السريان إنما هو بالنظر الجليل في الأشياء أنها مخلوقات . وأما بالنظر الدقيق ،
فالحق هو الظاهر والساري ، فهو عين الأشياء جمعا وتفصيلا ، وغيرها في الغيب المغيب .