( أقمت ) على البناء للمفعول . ( قرطبة ) ، مدينة من بلاد المغرب . ( سنة ست
وثمانين وخمسمائة . ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود ، عليه السلام . فإنه أخبرني
بسبب جمعيتهم ) . قيل : كان سبب جمعيتهم إنزاله مقام القطبية ، ليكون
قطب الأقطاب في زمانه . وكلام هود ، عليه السلام ، بشارته أنه خاتم الولاية
المحمدية ، ووارث الأنبياء والمرسلين ، كما ذكره من نفسه في موضع من فتوحاته
تصريحا وتعريضا ( 14 )
( ورأيته ( 15 ) رجلا ضخما في الرجال : حسن الصورة ، لطيف المحاورة ، عارفا
بالأمور ، كاشفا لها . ودليل على كشفه لها ) أي ، ودليلي من قوله تعالى على ذلك .
( قوله : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم ) . وأي بشارة
للخلق أعظم من هذه ؟ ثم ، من امتنان الله علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه ( 15 )
في القرآن . ثم ، تممها الجامع للكل محمد ، صلى الله عليه وسلم ، بما أخبر به عن الحق
بأنه عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان ، أي ، هو عين الحواس ، والقوى
الروحانية أقرب من الحواس . فاكتفى بذكر الأبعد المحدود عن الأقرب
المجهول الحد ) أي ، حده . وإنما كان القوى الروحانية أقرب إلى الله تعالى ، لأنها
واسطة بين الحق والقوى الجسمانية ، والواسطة يكون أقرب ممن يتوسط له .
ولقربها من الحق ، كانت مجردة من الماديات الظلمانية ، ومنورة بأنوار
عالم القدس ، مطهرة عن كدورات عالم الرجس . فإذا كان الحق عين الأبعد ،
يكون عين الأقرب على الطريق الأولى .
( فترجم الحق لنا عن نبيه ، هود ، مقالته لقومه ، بشرى لنا . وترجم
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن الله مقالته بشرى ، فكمل العلم في صدور الذين
أوتوا العلم ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) . ) أي ، الساترون للحق بإنكارهم
و
هامش
( 14 ) - وقد حققنا مسألة ولاية الشيخ وقطبيته - في فص الشيثي - وتصريحه بأن ختمية عيسى
والخضر ، وكل ولى في الأمة المحمدية ، مختوم بالختم الولاية المهدوية . ( ج )
( 15 ) - أي ، عن الهود .