عدم قبولهم ما جاءت به الشرائع من عند الله . ( فإنهم يسترونها وإن عرفوها حسدا
منهم ونفاسة وظلما ) . ( النفاسة ) الضنة . و ( النفيس ) هو ما يضن به . أي ،
لأجل الحسد والضنة والظلم الواقع في نفوسهم ، حيث أرادوا ظهور أنفسهم
وإخفاء حقية الرسول والآيات المنزلة من الله ، مع أنهم عرفوا ذلك ، كعبد الله بن
سلام وأضرابه من أهل الكتاب .
( وما رأينا قط من عند الله في حقه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما
يرجع إليه إلا بالتحديد ، تنزيها كان أو غير تنزيه ) . ( في آية ) ، متعلق ب ( ما رأينا )
و ( من عند الله في حقه ) بقوله : ( أنزلها ) . فتقدير الكلام : ما رأينا في آية نازلة من
عند الله في حقه ، أو خبر ، أوصله إلينا نبينا إلا وهو متلبس بالتحديد ، تنزيها كان
ذلك المنزل أو تشبيها . وهذا الكلام كأنه جواب سؤال مقدر ، كأن القائل يقول :
كيف يكون الحق عين هذه الأشياء ، وهي محدودة والحق منزه عن التحديد ؟
فنقول : الآيات والأخبار التي جاءت في حق الله تعالى كلها متلبسة بالتحديد .
( أوله ( العماء ) الذي ما فوقه هواء ولا تحته هواء . وكان الحق فيه قبل أن
يخلق الخلق ) . أي ، أول ذلك التحديد هو المرتبة ( العمائية ) التي أشار إليها
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عند سؤال الأعرابي : ( أين كان ربنا قبل أن يخلق
الخلق ؟ ) قال ، صلى الله عليه وسلم : ( كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته
هواء ) ( 16 ) وإنما كان ( العماء ) أول التحديدات ، لأنه لغة عبارة عن ( الضباب ) .
وفي اصطلاح أهل الله عبارة عن أول تعين ظهر الحق بحسب اسمه الجامع الإلهي .
وكلاهما محدودان . وهذه المرتبة هي مرتبة الإنسان الكامل ، فإنه أول ما تعين .
هامش
( 16 ) - والسائل الأعرابي هو أبو رزين العقيلي الذي زعم أنه كان للحق أينا ، وسأل عن النبي
( ص ) : أين كان ربنا قبل الإيجاد ؟ وقد سأل أصحاب الأئمة ، عليهم السلام ، عنهم
عن المكان ، زعما منهم أنه يجب أن يكون للحق مكانا أو زمانا . ( العماء ) المذكور في الحديث
عبارة عن الغيم الرقيق المتوسط بين السماء ، أي سماء الإطلاق ، وأرض التقييد . در
حجاب حايل بين آسمان وزمين ، يعنى ابر تنك ، شمس قابل مشاهده حسى است . ( ج )