( كذلك المتحقق منا بالحق ، تظهر لصفائه صورة الحق فيه أكثر مما يظهر في
غيره ) . أي ، كما أن الزجاج لأجل صفائه يمتد عنه ظل نوري منور لما في البيت ،
كذلك ( المتحقق ) بالحق ، أي بالوجود الحقاني وكمالاته والمتخلق بالأخلاق
الإلهية ، ( منا ) ، أي من أهل العالم كله أو من الأفراد الإنسانية ، تظهر
صورة الحق ، وهي الكمالات الإلهية والصفات الربانية ، فيه أكثر مما تظهر في
غيره الذي لم يتخلق بها ولم يتحقق بالحق ، فينور غيره ويظهر ما فيه
من الكمالات . وذلك التحقق بحسب صفاء استعداده وقابلية عينه لا غير .
( فمنا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه بعلامات ) أي ،
بدلائل . ( قد أعطاها الشرع الذي يخبر عن الحق ) . إشارة إلى الحديث القدسي :
( لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته ، كنت سمعه وبصره ) -
إلى آخره .
( ومع هذا عين الظل موجود ، فإن الضمير ) . أي ، ضمير ( سمعه )
و ( بصره ) . ( يعود عليه ) . أي ، على العبد . ( وغيره من العبيد ليس كذلك . فنسبة
هذا العبد أقرب إلى وجود الحق من نسبة غيره من العبيد ) . قد مر أن للوجود بالنسبة
إلى الأعيان اعتبارات ثلاث :
الأول ، أن الموجود الخارجي وجود متشكل بأشكال الحقائق الغيبية بحكم
ظهوره في مرآيا الأعيان وهي ( ما شمت رايحة الوجود ) بعد . فالحق بهذا الاعتبار عين سمع كل واحد
وعين قواه وجوارحه . ولا يختص هذا المعنى بالكمل .
والامتياز بينهم وبين غيرهم من العوام ، في ذلك ، يكون بالعلم والقدرة ، وظهور
أنوار تلك القوى فيهم أكثر من غيرهم ، فيكونوا أقرب إلى مقام الجمع الإلهي من
غيرهم .
والثاني ، أن الأعيان هي الموجودة في الخارج بحكم ظهورها في مرآة
الوجود ، فالموجود خلق . وحينئذ كل من يترقى عن مرتبة الخلقية بفناء صفاته في
صفات الحق وتتبدل بشريته بالحقية ، يبقى الحق عوضا عما فنى منه ، فيكون
سمعه وبصره وجوارحه ، وعين العبد باقية . فيختص هذا المعنى بهؤلاء الكمل .
شرح فصوص الحكم — صفحة 701
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٠١