فإن المعاني التي هي حاصلة في روحك المجردة ، ثابتة فيها ولا يشعر بها مفصلة ولا
يتميز بعضها عن بعض ، حتى تحصل في القلب ، فيتفصل ويكتسي كل منها
صورة قريبة من الصور الخيالية ، فتشعر بها حينئذ ، ويتميز بعضها عن بعض .
فإذا حصلت في الخيال واكتست الصور الخيالية ، صارت مشاهدة ، كما نشاهد
المحسوس . ثم ، إذا أخرجتها في الخارج ، حصل له الظهور التام ، فأدركها غيرك
وشاهدها . فللأعيان مراتب في الغيب العلمي ، كما لها مراتب في الخارج . فإذا
علمت ما أشير إليه ، علمت الفرق بين الثبوت العلمي والوجود الخارجي .
( غير أن الأجسام النيرة يعطى فيها البعد للحس صغرا . فهذا تأثير آخر للبعد .
فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم ، وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر
كميات . كما علم بالدليل أن الشمس مثل الأرض في الجرم مائة وستين وربعا وثمن
مرة ، وهي في الحس على قدر جرم الترس ، مثلا ، فهذا أثر البعد أيضا ) . أي ، للبعد
تأثيرات في رؤية الأجسام النيرة التي هي الكواكب يعطى البعد صغرا ، وفي
غير النيرة يعطى سوادا وزرقة . والباقي ظاهر .
( فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال ، ويجهل من الحق على قدر ما
يجهل من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل ) . قد مر في المقدمات أن الأعيان
هي الذات الإلهية المتعينة بتعينات متكثرة ، فهي من حيث الذات عين الحق ،
ومن حيث التعيينات هي الظلال . فقوله : ( فما يعلم ) . . . معناه : فما يعلم من
أعيان العالم التي هي ظلال أسماء الحق وصورها - ومن هذه الموجودات الخارجية
مع آثارها وهيآتها اللازمة لها التي ظلال تلك الظلال - إلا مقدار ما يعلم من
ذلك الظلال من الآثار والأحوال والصور والأشكال والخصوصيات الظاهرة
منها ، ويجعل من الحق على قدر ما يجهل من ذوات الأعيان وحقائقها التي هي
عين الحق .
ولما كان الظل الحسى دليلا وعلامة للظل المعنوي ، قال : ( على قدر ما يجهل
من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل ) . أي ، حصل ، لأن الناظر يستدل
من الظل على صاحب الظل ، فيعلم أن ثمة شخص ، هذا ظله ، ولا يعلم كيفيته
شرح فصوص الحكم — صفحة 695
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٦٩٥