( ألا ترى أن الظلال تضرب إلى السواد وتشير إلى ما فيها من الخفاء ، لبعد
المناسبة بينهما وبين أشخاص من هي ظل له ) .
لما كان كل ما في الخارج دليلا وعلامة لما في الغيب ، ( 14 ) استدل بضرب الظلال إلى السواد على الخفاء الذي
في الأعيان الغيبية ، إذ السواد صورة الظلمة ، كما أن البياض صورة النور . فضمير
( فيها ) و ( بينها ) يجوز أن يكون عائدا إلى ( الظلال ) وهو ظاهر . ويجوز أن
يكون عائدا إلى ( الأعيان ) ، لأنها المستشهد عليها . وتقديره : ألا ترى الظلال
تشير - بضربها إلى السواد - إلى ما في الأعيان من الخفاء ، لبعد المناسبة
بين الأعيان وبين أشخاص من هي ظلال له ، وهي الأسماء الإلهية . فإن كل عين ظل لاسم
من الأسماء - ولا شك - لبعد المناسبة بينها وبين الأسماء ، فإنها أرباب ، وهي
عبيدها .
( وإن كان الشخص أبيض ، فظله بهذه المثابة ) .
( إن ) للمبالغة . ( ألا ترى أن الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر ، تظهر سوداء . وقد يكون في أعيانها على غير
ما يدركه الحس من اللونية . وليس ثمة علة إلا البعد ، وكزرقة السماء . فهذا ما
أنتجه البعد في الحس في الأجسام الغير النيرة ) ظاهر . ( وكذلك أعيان الممكنات
ليست نيرة ، لأنها معدومة ، وإن اتصفت بالثبوت ، لكن لم تتصف بالوجود ، إذ
الوجود نور ) .
لما قال لبعد المناسبة بينها وبين اشخاص من هي ظل له ، شرع في آثار البعد
ولوازمه . وأراد ب ( الوجود ) هنا الوجود الخارجي . وإنما كان الوجود الخارجي
نورا ، لأنه يظهر الأعيان في الخارج ، فتطلع حينئذ على أنفسها وعلى مبدعها ،
وتعرف بعضها بعضا وتشاهده ، بخلاف الثبوت فإنها حال كونها ثابتة في الغيب
العلمي ، لم يكن لها ذلك ، للقرب المفرط . والثبوت العلمي ، وإن كان نوعا
من الوجود ، لكن ليس له الظهور التام كما للوجود العيني . واعتبر من نفسك :
هامش
( 14 ) - قال الإمام أبو الحسن الرضا ، عليه وعلى أبنائه وآبائه السلام : ( قد علم ذووا الألباب
أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما هيهنا ) .