ولما كان في الحقيقة يسمى خلقا عدما ، لا وجود له ، والموجود هو الحق
لا غيره ، عمم الحكم وأكد ب ( الكل ) ، وقال : ( وإليه يرجع الأمر كله ) . ، أي ،
سواء كان محمودا أو مذموما . والسر فيه أن ما في الوجود خير كله ، وكونه مذموما
ليس إلا بالنسبة إلى بعض الأشياء . ألا ترى أن الشهوة من حيث إنها
ظل المحبة الذاتية السارية في الوجود محمودة ، وعدمها ، وهو العنة ، مذمومة ،
ومن حيث إنها سبب بناء النوع وموجبة لللذة التي هي نوع من التجليات الجمالية
أيضا محمودة ، وعند وقوعها على غير موجب الشرع مذمومة ، لكونها سببا
لانقطاع النسل وموجبا للفتن العائدة إلى العدم ؟ وهكذا جميع صور المذام .
فالكل منه وإليه من حيث الكمال . والاستدلال بالآيات وأمثالها أنما هو تأنيس
للمحجوبين وعقولهم الضعيفة ، وإلا أهل الكشف يشاهدون الأمر في نفسه
كذلك .
( اعلم ، أنه ما تخلل شئ شيئا إلا كان محمولا فيه ) . لأن المتخلل هو الذي
ينفذ في الشئ ويدخل في جوهره ، فالداخل محمول ومستور فيه ، والمدخول فيه
حامل له وظاهره .
( فالمتخلل - اسم فاعل - محجوب بالمتخلل - اسم مفعول . فاسم المفعول
هو الظاهر . واسم الفاعل هو الباطن المستور . وهو غذاء له ، كالماء يتخلل الصوفة ،
فتربو به وتتسع . فإن كان الحق هو الظاهر ، فالخلق مستور فيه ، فيكون الخلق جميع
أسماء الحق سمعه وبصره ، وجميع نسبه وإدراكاته . وإن كان الخلق هو الظاهر ، فالحق مستور باطن فيه ،
فالحق سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه ( 6 ) كما
هامش
( 6 ) - قوله : ( فإن كان الحق هو الظاهر . . . ) . قال شيخنا العارف الكامل ، أدام الله ظله : ( إن
مستورية العبد في الحق وظهور الحق لا يحصل إلا عند فناء العبد واضمحلال إنيته
واندكاكه بحيث لا يبقى منه أثر ولا خبر . وهذا هو نتيجة قرب النوافل . فقوله :
( يكون الخلق جميع أسماء الحق ) . أي ، لا يبقى أثر للخلق وحده . وإلى هذا أشار الحديث
القدسي : ( كنت سمعه وبصره ) . أي ، لا سمع ولا بصر ولا حكم له ولا أثر . ومستورية
الحق في الخلق وظهور العبد لا يحصل إلا بعد إرجاع العبد إلى مملكته ، وهو البقاء
بعد النفاء . وهذا هو نتيجة قرب الفرائض . فقوله : ( فالحق سمع الخلق وبصره . . . )
أي ، السمع للعبد الباقي بعد الفناء ، فإن العبد إذا رجع إلى مملكته ، يصير وجوده حقانيا ،
فإن المفنى فيه بما أنه مفنى فيه هو الفاني ، كما أن الفاني بما أنه فان هو المفنى فيه . ففي هذا المقام
العبد هو الظاهر وهو السميع وهو البصير ، والله أسمائه وصفاته ) . هذا كلامه ، أديم أيامه
وزيد إكرامه . ولم أر أحدا من الشراح شرح كلام الشيخ كذلك . وعندي في بعض ما
أفاد ، دام ظله ، نظر . فإن في قرب النوافل لا يصير العبد فانيا حتى عن ذاته ، بل هو
مقام الفناء الصفاتي . وأما حصول الفناء التام ، فهو الذي يكون
عند قرب الفرائض . وعند ذلك ، قد يصير العبد المستهلك الإنية مجذوبا غاية الجذبة ، لا يمكن إرجاعه إلى
مملكته ، فيصير في رتبة الملائكة المهيمة منخرطا في سلكهم . وقد يكون لائقا للإرجاع ،
فتشمله العناية الإلهية ، فيرجعه إلى مملكته غانما في تجارته ، فتصير نفسه نفس الكل وعقله
عقل الكل وجسمه جسم الكل ، إلى غير ذلك . ( الامام الخميني حفظه الله تعالى )