مقام الهوية الأحدية التي تستهلك النسب كلها فيه . فيكون الحق تعالى إلها ، أي في
مرتبة حضرة الأسماء والنسب الإلهية باعتبار أعياننا ، كما أن السلطان سلطان
بالنسبة إلى الرعية ، والقاضي قاض بالنظر إلى أهل المدينة . فتلحق هذه النسب
إليه تعالى بناء ، كما تلحق النسب للواحد بالنظر إلى الأعداد : وهي كونه
نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة ، وكالخواص الحاصلة للواحد بواسطة
لزومها المراتب العددية . ولو قطعنا النظر عن هذه المراتب ، لم يلحق للواحد
تلك النسب ، ولم يحصل له تلك الخواص .
( وهذه النسب أحدثتها أعياننا ) . أي ، هذه الصفات إنما ظهرت بأعياننا ،
إذ لو لم تكن ، لما كان يظهر ( الخالق ) و ( الرازق ) و ( القادر ) ، ولا ( السميع )
و ( البصير ) ، وغير ذلك من الأسماء والصفات الإضافية . وليس المراد ب
( الإحداث ) الجعل والإيجاد ، لأنا مجعولون وموجودون بها ( 8 ) فبجعل الحق
وإيجاده إيانا تظهر تلك الصفات .
( فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلها ) . المراد ب ( المألوهية ) عند هذه الطائفة ،
مرتبة العبودية ، وب ( المألوه ) العبد ، لا المعبود ، لا كما يقول المفسرون من أن
( الإله ) بمعنى ( المألوه ) ، وهو المعبود ، كالكتاب بمعنى المكتوب . ومعناه : نحن
أظهرنا بعبوديتنا معبوديته ، وبأعياننا إلهيته ، إذ لو لم يوجد موجود قط ، ما كان
يظهر أنه تعالى ( إله ) . بل العلة الغائية من إيجادنا ظهور إلهيته ، كما نطق به : ( كنت
كنزا مخفيا . . . ) . ف ( الجعل ) ليس على معناه الحقيقي ، بل على معناه المجازى .
وهذا ليس بلسان أهل الصحو . وفيه نوع من الشطح لما فيه من الرعونة الغير
اللائقة للمتأدبين بين يدي الرحمن . ونظيره كما يقول لسان الرعية والمريد
والتلميذ : إن السلطان بوجودي صار سلطانا ، وبإرادتي وقرائتي عليه صار الشيخ
شيخا والأستاذ أستاذا . وفيه أقول :
هامش
( 8 ) - قوله : ( بها ) أي ، الذات . ( ج )