ليس بداخل في مفهوم الحجر بأحد من التعريفين . فكيف يدخل تحت قوله تعالى " لا يقدر
على شئ " الذي هو عبارة عن الحجر ، حتى يستفاد منه جواز التملك بإذن المولى . فيبطل
الاستدلال بالآية على نفى التملك رأسا . مع أن تقدير الاستثناء خلاف الأصل ومحتاج إلى
الدليل . وما دعاه إلى ذلك إلى جعله لفظ " لا يقدر على شئ " بمعنى الحجر . وقد عرفت
ما فيه .
نعم ، نحن نسلم المقدمة القائلة بأنه إذا اذن له المولى فيجوز له التصرف . وهو لا يستلزم
التملك . بل المسلم انما هو جواز التصرف . وهذه المقدمة في حكم استثناء منقطع منفصل ،
وليس من باب الاستثناء المتصل الذي قدره في الكلام ، حتى يلزم ثبوت ما منع القدرة عليه
على سبيل العموم . مع أنه يمكن القدح فيه - على فرض التسليم - بان رفع السلب الكلى
لا يستلزم الايجاب الكلى . بل يرتفع بالايجاب الجزئي . فلا يدل على المقصود . ولكن يمكن
دفعه بان المفهوم ليس من باب التناقض ، بل السلب والايجاب فيه متطابقان عموما
وخصوصا . كما حققناه في محله .
فالأولى الاقتصار على منع تقدير الاستثناء . فلم يبق الا ان يكون الآية مسبوقة
لبيان أصل قصور العبد وعدم قابليته لشئ من جملة ذلك التملك للمال . وهذا
هو معنى السابق على الحجر الذي يترتب الحجر وعدمه عليه . والنكرة المنفية تفيد العموم ،
خرج ما خرج بالدليل ، وبقي الباقي ، ويشيده مقابلة القرينة الأخرى ، اعني " ومن رزقناه رزقا
حسنا " 1 يعنى " من رزقناه " فإنه تدل على أن الرزق له من جانب الله ، بخلاف العبد ، فإنه
هامش
1 : الرزق : هو ما أعطاه الله تعالى عبده ، من المال والعقل والايمان والتوفيق والصفات الجميلة والشجاعة والسماحة
و . . . . حتى النبوة . قال تعالى " قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربى ورزقني رزقنا حسنا . . . . "
اتفق المفسرون على أن المراد من الرزق فيها ، النبوة .
والانفاق : هو الصرف والبذل ، من المال والجهد والتفكير والقدرة البدنية ، حتى من الشجاعة وبذل النفس
في الجهاد وكذا العفو . قال تعالى " وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " فسروه بالجهاد
والشهادة وبذل النفس في سبيل الله .
فالانسان القوى ينفق ويصرف ويبذل وينتفع سرا وعلانية مما آتاه الله من قدرة الجسم والفكر والعقل
والشجاعة وقوة النفس وسلامتها و . . . .
ولعل كلمة " رزق " في الآية دعى بعضهم ( قدس سرهم ) إلى استفادة الحكم من الآية التي لا حكم فيها
تاسيسيا كان أو امضائيا .