يقال له : أما اعتذاره في ولاية عثمان من ولاه من الفسقة ، بأنه لم
يكن عالما بذلك من حالهم قبل الولاية ، وإنما تجدد منهم ما تجدد فعزلهم ،
فليس بشئ يعول على مثله ، لأنه لم يول هؤلاء النفر إلا وحالهم مشهورة
في الخلاعة والمجانة ( 1 ) والتحرم والتهتك ، ولم يختلف اثنان في أن الوليد بن
عقبة لم يستأنف التظاهر بشرب الخمر ، والاستخفاف بالدين ، على
استقبال ولايته الكوفة ، بل هذه كانت سنته والعادة المعروفة منه ، وكيف
يخفى على عثمان - وهو قريبه ولصيقه وأخوه لأمه من حاله ما لا يخفى على
الأجانب الأباعد ؟ فلهذا قال له سعد بن أبي وقاص في رواية الواقدي وقد
دخل الكوفة يا أبا وهب ( 2 ) ، أميرا أم زائرا قال : بل أميرا فقال سعد : ما
أدري أحمقت بعدك أم كيست ( 3 ) بعدي ؟ قال : ما حمقت بعدي ولا كيست
بعدك ولكن القوم ملكوا فاستأثروا ، فقال سعد : ما أراك إلا صادقا .
وفي رواية أبي مخنف لوط بن يحيى أن الوليد لما دخل الكوفة مر على
مجلس عمرو بن زرارة النخعي فوقف ، فقال عمرو : يا معشر بني أسد
بئس ما استقبلنا به أخوكم ابن عفان ، من عدله أن ينزع عنا ابن أبي
وقاص ، الهين اللين السهل القريب ، ويبعث علينا أخاه الوليد ، الأحمق
الماجن الفاجر قديما وحديثا واستعظم الناس مقدمه ، وعزل سعد به ،
وقالوا : أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد صلى الله عليه وآله
وسلم ! وهذا تحقيق ما ذكرناه من حاله كانت مشهورة قبل الولاية ، لا
هامش
( 1 ) المجانة - بفتح الميم - والمجون - بضمها - ومعناهما واحدة ، والفاعل
ماجن : وهو الذي يا يبالي ما صنع .
( 2 ) أبو وهب : كنية الوليد .
( 3 ) الحمق - بسكون الميم وضمها - قلة العقل ، يقال : حمق - بضم الميم -
من باب ظرف فهو أحمق ، وتكسر الميم أيضا ، والكيس بوزن الكيل : ضده .