بل هي البغتة ، وما وقع فجأة من غير روية ولا مشاورة ( 1 ) واستشهد
بقول الشاعر :
من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا * سبقت منيته المشيب وكان ميتته افتلاتا ( 2 )
بمعنى نعتة من غير مقدمة ، وحكي عن الرياشي ( 3 ) أن العرب
تسمي آخر يوم من شوال فلتة من حيث أن من لم يدرك ثاره وطلبه فيه
فاته ، لأنه كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر ، وذو القعدة
من أشهر الحرم ، وإنما سموه فلتة لأنهم أدركوا فيه ما كاد يفوتهم ، فأراد
عمر على هذا أن بيعة أبي بكر تداركها بعد ما كادت تفوت ، وقوله : وقى
الله شرها ، دليل على التصويب لأن المراد بذلك أنه تعالى دفع شر
الاختلاف فيها .
فأما قوله : " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " ( 4 ) فالمراد من عاد إلى
هامش
( 1 ) غ " بل يجب أن تكون محمولة - على ما نقل أهل اللغة - من أن المراد بها
بغتة وفجأة من غير روية ومشاورة " .
( 2 ) في المغني هكذا : " هربا من الحدثان بعد جبيرة القرشي ماتا سبقت منه
المشيب وكا ، وعلق محقق المغني على هذا البيت بقوله : " تحريف أضاع منه الوزن
والمعنى ، ولو أنه جعل " ماتا " في الشطر الأول لاستقام الوزن ، ولو كلف نفسه
البحث عن البيتين لوجدهما في الكامل للمبرد 1 / 348 وظهر له المعنى .
( 3 ) غ " أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي " والذي عند ابن أبي الحديد
" قال شيخنا أبو علي رحمه الله ذكر الرياشي " .
( 4 ) علق ابن أبي الحديد على كلام شيخه هذا بقوله : " واعلم أن هذه اللفظة
من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلطة
الطينة ، وجفاء الطبيعة ، ولا حيلة له فيها ، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها ،
ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف ، وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة ،
فينزع به الطبع الجاسي ، والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات ، ولا يقصد بها
سوء ، ولا يريد بها ذما ولا تخطئة كما قدمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض النبي
صلى الله عليه وآله ، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك والله تعالى لا يجازي
المكلف إلا بما نواه ، ولقد كانت نيته من أطهر النيات ، وأخلصها لله تعالى
وللمسلمين ، ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق ، وأنه يغني عن تأويل شيخنا أبي
علي ، شرح نهج البلاغة 2 / 27 " .