يضعف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه ، وقوله : ( إنه ما
استقال على التحقيق وإنما نبه على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه وأنه غير
مكره لهم عليه ) فبعيد من الصواب لأن ظاهر قوله : " أقيلوني " أمر
بالإقالة ، وأقل أحواله أن يكون عرضا لها وبذلا وكلا الأمرين قبيح ، ولو
أراد ما ظنه لكان له في غير هذا القول مندوحة ( 1 ) ولكان يقول : إني ما
أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي ، وما كنت أبالي ألا يكون هذا الأمر في
ولا إلي وإن مفارقته تسرني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به ،
ومتى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به .
فأما أمير المؤمنين عليه السلام فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخوله
فيها ، وإنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلة فكر فيه ، وعلما
بأن إمامته عليه السلام لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها ، فأين هذا من
استقالة بيعة قد تقدمت واستقرت ؟
قال صاحب الكتاب : ( شبهة لهم أخرى وطعنوا في إمامته بما روي
عن عمر بن الخطاب أنه قال : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن
عاد إلى مثلها فاقتلوه . فبين أنها خطأ وأنها شر ، وبين أن مثلها يجب فيه
المقاتلة ، وليس في الذم والتخطئة أوكد من ذلك .
ثم قال : والجواب أنه لا يجوز لقول يحمل ترك ما يعلم
ضرورة ( 2 ) ، ومعلوم من حال عمر إعظام أبي بكر ، والقول بإمامته ،
والرضا ببيعته ، وذلك يمنع مما ذكروه لأن المصوب للشئ لا يجوز أن
يكون مخطئا له . وحكي عن أبي علي أن الفلتة ليست هي الزلة والخطيئة .
هامش
( 1 ) يقال : له عن هذا الأمر مندوحة ومنتدح أي سعة .
( 2 ) العلم الضروري الذي لا يمكن من علمه أن ينفيه بوجه من الوجوه .