الامساك وجب وإن لم يكن هناك استحقاق من التلبس بالأمر ، وأن هذا
إن جعل دلالة في هذا الموضع لزم أن يكون الامساك عن الظلمة والمتغلبين
على أمور المسلمين من بني أمية وغيرهم دلالة على استحقاقهم لما كان في
أيديهم ، ونحن نعلم أن الحسن عليه السلام لو أشار عليه مشير بعد صلح
معاوية بمحاربته وبمخارجته لعصاه وخالفه ، بل قد عصى جماعة أشاروا
عليه بخلاف ما رآه من الامساك والتسليم ، وبين لهم أن الدين والرأي
يقتضيان ما فعله عليه السلام .
فأما ما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام من التمني لأن يلقى الله
بصحيفة عمر ، فهذا لا يقوله من فضله النبي صلى الله عليه وآله على
الخلق بالأقوال والأفعال المجمع عليها ، الظاهرة في الرواية ، وقد تقدم
طرف منها ولا يصدر عمن كان يصرح بتفضيل نفسه على جميع الأمة بعد
الرسول صلى الله عليه وآله ولا يقدر ( 1 ) أن يصرح بذلك أيضا ، وقد
تقدم الكلام على نظائر هذا الخبر على أن قوله : ( وددت أن ألقى الله
بصحيفة هذا المسجى ) أو ( ما على الأرض أحد أحب إلي من أن ألقى الله
بصحيفته من هذا المسجى ) لا يجوز أن يكون محمولا على ظاهره ، لأن
الصحيفة إنما يشار بها إلى صحيفة الأعمال ، وأعمال زيد لا يجوز أن
يكون بعينها لعمرو ، وتمني ذلك مما لا يصح على مثله عليه السلام فلا بد
من أن يقال : إنه أراد بمثل صحيفته ، وبنظير أعماله ، وإذا جاز أن
يضمروا شيئا في صريح اللفظ جاز لخصومهم أن يضمروا خلافه ، ويجعلوا
بدلا من اضمار المثل الخلاف ، وإذا تكافأت الدعويان لم يكن في ظاهر
الخبر حجة لهم ، على أن في متقدمي أصحابنا من قال : إنما تمنى أن يلقى
الله بصحيفته ليخاصمه بما فيها ، ويحاكمه بما تضمنته ، وقالوا أيضا في
هامش
( 1 ) في حاشية المخطوطة : " ولا يقدر أحد غيره " خ ل .