ومن ظريف الأمور أن يستشهد القوم بهذا الخبر على التفضيل وهم
يروون أن أبا بكر قال : ( وليتكم ولست بخيركم ) فصرح باللفظ الخاص
بأنه ليس بالأفضل ، ثم يتأولون ذلك على أنه خرج مخرج التخاشع
والتخاضع ، فألا استعملوا هذا الضرب من التأويل فيما يدعونه من قوله :
( ألا إن خير هذه الأمة ) ولكن الانصاف عندهم مفقود .
فأما ما رواه عن جعفر بن محمد عليه السلام من قول أمير المؤمنين
علي عليه السلام لأبي سفيان عند استخلاف أبي بكر ، وقد قال له : أبسط
يدك أبايعك ، فوالله لأملأنها على أبي فصيل خيلا ورجلا : ( إن هذا من
دواهيك ، وما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام ) فهو خبر
متى صح لم يكن فيه دلالة على أكثر من تهمة أمير المؤمنين لأبي سفيان
وقطعه على خبث باطنه ، وقلة دينه ، وبعده عن النصح فيما يشير به ، ولا
حجة فيه ولا دلالة على إمامة أبي بكر ، ولا تفضيله لأن أمير المؤمنين عليه
السلام لم يعدل عن محارجة ( 1 ) القوم والتصريح بادعاء النص والمجاذبة
عليه ( 2 ) إلا لما اقتضته الحال من حفظ أصل الدين ، ولعلمه بأن
المخاصمة والمغالبة فيه تؤديان إلى فساد لا يتلافى فلا بد من مخالفته في هذا
الباب لكل مشير لا سيما إذا كان متهما منافقا ، غير نقي السريرة ، فليس
في رده عليه السلام على أبي سفيان ما رآه من إظهار البيعة والمحاربة أكثر
مما ذكرناه من أن الرأي كان عنده في خلافه ، وليس لأحد أن يقول : لولا
استحقاق متولي الأمر له لما جاز أن ينهى أمير المؤمنين عن الإجلاب عليه ،
والمحاربة له ، ولا أن يمتنع من مبايعة أبي سفيان له بالإمامة ، لأنا قد بينا
أن ذلك أجمع لا يدل على استحقاق الأمر ، وأن المصلحة إذا اقتضت
هامش
( 1 ) مفاعلة من الخروج .
( 2 ) والمحاربة خ ل .