ينصب الأئمة في نصبهم دفع ما يقع من المفسدين من الظلم والعدوان على
ما ادعيتم فقد صار واجبا عليهم أن يلطفوا لغيرهم فيما يتعلق بالدين
وفساد ذلك ظاهر ، وإذا فسد لم يبق إلا أن غرضهم في نصب الرؤساء
مقصور على المصالح الدنياوية ، ودفع المضار العاجلة ، واجتلاب المنافع
الحاضرة ، وذلك أن غرض العقلاء في نصب الرؤساء ليس بمقصور على
أن لا يقع من غيرهم فعل القبيح . بل على أن لا يقع من غيرهم ومنهم
أيضا فعل ما يقبح في عقولهم مما وجود الرؤساء يرفعه أو يقلله ، فقد عاد
الأمر إلى أن ذلك لا يتعلق بالدنيا ، ويجب لأمر يتعلق بالدين ، على أنه لا
أحد من العقلاء يجب عليه في الحقيقة عندنا - نصب الرؤساء وإقامتهم ،
لأنا إنما نوجب ذلك على الله تعالى ، ونحيل ( 1 ) أن يكون نصب الإمام مما
تمكن منه العقلاء بآرائهم واختيارهم ، وإنما ظن بعض العقلاء أن ذلك
واجب عليه ففزع عند هذا الظن إلى نصب الرؤساء من حيث جهل ما
ذكرناه من اختصاص ذلك بالله تعالى دون البشر ، وليس يجب إذا اعتقدوا
وجوبه عليهم أن يكون واجبا في الحقيقة ، وموضع تعلقنا بفعلهم ، وما
يعلمونه من الصلاح بوجود الرؤساء ، والفساد بفقدهم باق ، ولا يقدح
فيه اعتقادهم أن إقامته من فروضهم ، لأننا قد بينا ما أدخلهم في هذا
الاعتقاد الفاسد وكشفناه ، والفرق بين الوكيل والأمير والإمام واضح ،
لأنا قد دللنا فيما تقدم على أن الحاجة إلى الرؤساء والأمراء ثابتة غير
زائلة ، وليس كذلك الحاجة إلى الوكيل فإن من لا ضيعة له ولا عقار له ،
ولا ما يجري مجراهما مما يتصرف فيه الوكلاء لا حاجة به إلى الوكيل ، ولا
يعده العقلاء في ترك الاستعانة بوكيل مهملا ومفرطا ، وليس نجد أحدا
هامش
( 1 ) أي نراه مستحيلا .