يقال له : قد بينا أن في الكتاب متشابها لا يقطع على المراد به ، وأنه
لم يثبت من السنة ما يكون مبينا لذلك وموضحا عنه ، وكلامك في هذا
الفصل كلام من ينازع فيما ذكرناه ، فقد تقدم أن الدفع له مكابرة ظاهرة
والمحنة بيننا وبينك إذا أنكرت أن يكون في القرآن من المتشابه ما هو بالمنزلة
التي ذكرناها فإنما ( 1 ) نكشف عن الحقيقة فيما اختلفنا فيه فأما كلام الإمام
الذي عارضت به ومعرفة من غاب عنه مراده به فغير مشبه لما نحن فيه ،
لأن الإمام يمكن أن يتكلم بكلام غير محتمل فلا يشتبه على السامع ولا على
المنقول إليه ذلك الكلام مراده منه ، ويمكن إذا كان كلامه محتملا أن
يضطر السامع إلى مراده بمخارجه وقرائنه ، ومن غاب عنه وإن لم يكن
مضطرا فإنه يعرف المراد بنقل من سمعه من الإمام ممن الإمام مراع
لنقلهم ، وحافظ لأمرهم ، فمتى علم أنهم قد أخبروا عنه على وجه لا
حجة ( 2 ) فيه أو لا ينبئ عن مراده أردفهم ( 3 ) بغيرهم من النقلة أو يتولى
الإفهام بنفسه ، وهذا كله مفقود في القرآن لاحتمال مواضع منه
واشتباهها ، ولأن ما يثبت بالسنة في بيان تلك المواضع لو كانت ثابتة إذا لم
يكن وراء الناقلين لها من يرعاهم كما أثبتنا وراء النقلة ( 4 ) عن الإمام من
يرعاهم ، ويتلافى ما يعرض فيه ، لم يؤمن فيه الاخلال والعدول عن
الواجب ، وهذا هو الفرق بين بيان الرسول صلى الله عليه وآله المنقول
بالتواتر وبين بيان الإمام المنقول إلى الغائب عنه ، ومعنى هذا الكلام كله
قد تقدم حيث دللنا على أن حفظ الشريعة لا يجوز أن يكون بالتواتر من
غير إمام في الزمان .
هامش
( 1 ) فإنها ، خ ل .
( 2 ) أردفهم : أتبعهم ، وكل شئ تبع شيئا فهو ردفه .
( 3 ) خ " لا حاجة " .
( 4 ) الناقلين ، خ ل .