لا يجوز لأن من جعل إليه أن يقيم الحد عليه إنما احتاج إلى كونه من ورائه
لجواز وقوع ما يوجب الحد منه ، فإذا كانت هذه العلة قائمة في المقيم
للحد احتاج إلى مثل نفسه ، وإن أردت جواز إقامة الحد ممن يجوز أن
يستحق الحد مع أن له إماما من ورائه يقيم عليه الحد عند استحقاقه فهذا
مما لا نأباه ، وهذا حال الأمراء وجميع خلفاء الإمام عندنا .
قال صاحب الكتاب : " شبهة أخرى لهم ، ربما قالوا : لا بد من
كون إمام معصوم في كل زمان لأن أدلة الشرع من كتاب وسنة لا تدل
بنفسها لاحتمالها ( 1 ) ولذلك اختلفوا في معناها مع اتفاقهم في كونها دلالة ،
فلا بد من مبين عرف معناها اضطرارا من الرسول أو من إمام سواه ،
فقالوا : فلو جاز خلافه كان لا يمتنع أن ينزل الله تعالى كتابا ولا نبي في
الزمان ، فلما بطل ذلك من حيث لا بد من مبين للمراد بالكتاب للاحتمال
الحاصل فيه فكذلك القول في الإمام " قال : " وهذا مبني على أن الكلام
لا يدل بظاهره ، وقد بينا فيما تقدم أنه يدل وأبطلنا الأقاويل المخالفة لذلك
وبينا ما يلزم عليها من الفساد . . . " ( 2 ) .
يقال له : " لسنا نقول : إن جميع أدلة الشرع محتملة غير دالة
بنفسها بل فيها ما يدل إذا كان ظاهره مطابقا لحقائق اللغة ، وتقدم العلم
للمستدل بأن المخاطب به حكيم وأنه لا يجوز أن يريد خلاف الحقيقة من
غير أن تدل عليه ( 3 ) ولا شبهة في أن جميع أدلة الشرع ليست بهذه الصفة
هامش
( 1 ) أي لأنها تحتمل عدة وجوه .
( 2 ) المغني 20 ق 1 / 88 .
( 3 ) أي حقائق اللغة .