لأنا نعلم أن في القرآن متشابها ( 1 ) وفي السنة محتملا ( 2 ) وأن العلماء من
أهل اللغة قد اختلفوا في المراد بهما ، وتوقفوا في الكثير مما لم يصح لهم
طريقة ومالوا في مواضع إلى طريقة الظن ، والأولى فلا بد والحال هذه من
مبين للمشكل ، ومترجم للغامض ، يكون قوله حجة كقول الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم وليس يبقى بعد هذا إلا أن يقال إن جميع ما في القرآن
إما معلوم بظاهر اللغة ، وفيه بيان من الرسول صلى الله عليه وآله
يفصح عن المراد به ، وإن السنة جارية هذا المجرى ، وهذا قول يعلم
بطلانه ضرورة لوجودنا مواضع كثيرة من الكتاب والسنة قد أشكلت على
كثير من العلماء وأعياهم القطع فيها على شئ بعينه ، ولو لم يكن في
القرآن إلا ما لا خلاف فيه ولا في وجوده ، ولا يتمكن من دفعه وهو
المجمل الذي لا شك فيه أغني في حاجته إلى البيان والايضاح ، مثل قوله
تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) ( 3 ) وقوله : ( في أموالهم حق
معلوم ) ( 4 ) إلى غير ما ذكرناه وهو كثير ، وإذا كان هذا مما لا بد من
هامش
( 1 ) في القرآن الكريم آيات محكمات وآخر متشابهات فالمحكم هو ما علم المراد
بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ودلالة تدل على المراد به لوضوحه نحو قوله تعالى : ( إن
الله لا يظلم الناس شيئا ) وقوله تعالى : ( ولا يظلم مثقال ذرة ) لأنه لا يحتاج في معرفة المراد
إلى دليل ، والمتشابه ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه ، نحو
قوله تعالى : ( وأضله الله على علم ) فإنه يفارق قوله : ( وأصلهم السامري ) لأن
إظلال السامري قبيح ، وإضلال الله - بمعنى حكمه بأن العبد ضال - ليس بقبيح بل هو
حسن ، كما عرف المحكم والمتشابه بتعاريف أخرى أكثرها يختلف لفظا ، ويتقارب
معنى ، ينظر في ذلك التبيان للشيخ الطوسي عند تفسير قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليك
الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . . . ) الآية آل عمران 7 .
( 2 ) أي يحتمل عدة وجوه .
( 3 ) التوبة 103 .
( 4 ) المعارج 24 .