لما قدمناه في كلامنا آنفا من استحالة السهو على العقلاء فيما تكرر علمهم
به ، وإدراكهم له ، ولحق هذا القسم من حيث تكرر العلم فيه بالقسم
الذي أحلنا سهو العقلاء عنه .
وأما تعمد العقلاء كتمان أمر البلدان قياسا على جواز كتمان
العبادات والشرائع على الأمة فيستحيل لأنه لا داعي للعقلاء إلى كتمان
أمر البلدان وما أشبهها يعرف ولا غرض ( 1 ) ، بل كل داع معقول يدعو
إلى نقلها ونشر خبرها ، لأن تصرف الناس في تجاراتهم وأسفارهم وكثير
من معائشهم يقتضي ذلك . ويوجب أن بهم إليه أمس الحاجة . وما كانت
دواعي الإذاعة فيه قائمة وعلم استمرارها في كل زمان لا يجوز كتمانه ،
لأن الكتمان لا يقطع إلا بداع قوي ، وغرض ظاهر ، وكل ذلك مفقود في
أمر البلدان مع ما بيناه من ثبوت الدواعي إلى نقل خبرها وإشاعته .
فأما ما نقل من كون الرسول في الدنيا فهو جار مجرى ما تقدم من
أحوال البلدان من وجه ، لأنه لا غرض لعاقل في كتمان دعاء داع إلى
نفسه على وجه الظهور ، ويجوز أن يكون محقا ويجوز أن يكون مبطلا ،
ولأن من اعتقد تكذيبه لا يمنعه هذا الاعتقاد من نقل خبره ، لأن العقلاء
قد يخبرون عن حال الصادق والكاذب ، والمحق والمبطل .
فأما نقل القرآن ، ونقل وجود الإعلام سوى القرآن فهو مما لا
يمتنع حصول الدواعي إلى كتمانه ، وقد يجوز من طريق الإمكان وقوع
الإخلال به ( 2 ) ، وليس على أن يقدر أن الحال في المصدقين به صلى الله عليه
وآله في الكثرة والظهور هذه ، بل بأن يقدر أن المصدق للدعوة كان في
الأصل واحدا أو اثنين ، وكان من عداه مكذبا معاديا فلا يمتنع مع هذا
هامش
( 1 ) أي ليس هناك داع ولا غرض يعرف للعقلاء في تعمد الكتمان .
( 2 ) أي بالنقل .