العقلاء فيه لتقدم عادة لهم في أمثالهم ، أو تجربة ، أو سماع خبر من له فيه
عادة وتجربة ، ولو عروا من جميع ذلك لم يجز أن يغلب ظنونهم في شئ
منه ، يتبين هذا أن من لم يسافر قط ، ولم يسلك طريقا من الطرق ولا
سمع بأخبار المسافرين وأحوال الطرق المسلوكة ، فلا يجوز أن يظن العطب
أو النجاة في بعض الأسفار ، وفي سلوك بعض الطرق ، وكذلك من لم
يتجر قط ولا اتصل به خبر التجارات وأحوال التجارة لا يجوز أن يظن في
شئ منها ربحا ولا خسرانا .
وإذا صح ما ذكرناه ، وكانت الظنون التي تعلق بها مخالفونا إنما
غلبت لاستنادها إلى طرق معلومة ولو قدرنا زوالها لم تحصل تلك الظنون ،
وكانت جميع الطرق التي تغلب فيها الظنون مفقودة في الشريعة بطل دخول
الظن فيها .
فإن قال : هذا يؤدي إلى أن جميع المصححين للاجتهاد من الفقهاء
وغيرهم كاذبون فيما يخبرون به من غلبة ظنونهم في الشريعة ، ومثل ذلك
لا يجوز عليهم مع كثرتهم وتدينهم بمذاهبهم .
قيل له : ليس القوم الذين ذكرتهم كاذبين في وجدانهم أنفسهم ( 1 )
على اعتقاد ما ، وإنما هم مبطلون في أخبارهم بأنه غلبة ظن والعلم بالفرق
بين الاعتقاد والمبتدأ والظن والعلم ليس بضروري ، ولا مما يجب أن يعرفه
كل أحد من نفسه .
ثم يقال له : ليس ما نقوله من أن الفقهاء وغيرهم من أصحاب
الاجتهاد غير ظانين في الشريعة على الوجه الذي تدعونه بأعجب من
قولك : إن جميع من خالفك ممن يرى أن الحق في واحد من أهل الاجتهاد
هامش
( 1 ) أنفسهم مفعول لوجدان ، أي أنهم لم يجدوا أنفسهم كاذبين في ما اعتقدوه .