ذكرناه ما فزع خصومنا إلى غلبة الظن والاستحسان ( 1 ) وغيرهما مما يسمونه
اجتهادا ، وإذا ثبت ذلك وكنا مكلفين للعلم بالشريعة والعمل بها وجب أن
يكون لنا مفزع نصل من جهته إلى ما اختلفت أقوال الأمة فيه .
فأما قولك : " وهذا يبطل بما دللنا عليه من صحة الاجتهاد " فقد
دلت الأدلة الواضحة عندنا على إبطال ما تسميه اجتهادا ، وأحد ما يدل
على ذلك ، أن الاجتهاد في الشريعة عندكم هو طلب غلبة الظن فيما لا
دليل عليه ، والظن لا مجال له في الشريعة ، ولا يصح أن يغلب في الظن
تحريم شئ منها أو تحليله ، لأن الشريعة مبنية على ما يعلمه الله تعالى من
مصالحنا التي لا عهد لنا فيها ولا عادة ولا تجربة .
ألا ترى أنه تعالى قد حرم شيئا وأباح مثله ، وما هو من جنسه وأباح
شيئا وحظر مثله ، وما صفاته كصفاته ( 2 ) ، فكيف يمكن أن يستدرك بالظن
الحلال والحرام من هذه الشريعة ، وما يوجب الظن ويقتضيه مفقود
فيها ؟ .
وما يذكره خصومنا عند ورود هذا الكلام عليهم من قولهم : " إن
الظن يغلب في الشريعة وإن لم يكن له طريق معلوم مقطوع عليه كما يغلب
ظن أحدنا أنه إذا أراد التجارة خسر أو ربح ، وإذا سلك بعض الطريق
عطب ( 3 ) أو سلم إلى غير ما ذكرناه مما يغلب ظن العقلاء فيه ، وإن لم
يمكن الإشارة إلى ما اقتضى الظن بعينه فكذلك لا ينكر أن يغلب ظن
العلماء في الشريعة بما يوجب الحاق المحرم بالمحرم والمحلل بالمحلل " ، لا
يغني عنهم في دفع كلامنا شيئا ، لأن سائر ما يذكرونه إنما يغلب ظن
هامش
( 1 ) يراجع في قاعدة الاستحسان الموافقات للشاطبي ج 4 ص 205 - 210 .
( 2 ) حرم الربا وحلل المضاربة ، وأباح النكاح وحظر السفاح وهكذا .
( 3 ) عطب : هلك .