وليس هناك تفسير مقنع لمحتوى الكتاب غير هذا . قال الشيخ محمد الغزالي :
" وكان النبي نفسه قد هم بكتابة عهد يمنع شغب الطامعين في الحكم " . قال الألباني معلقا
على هذا الكلام : " يشير إلى حديث ابن عباس مرفوعا : هلموا اكتب لكم كتابا . . . " ( 1 ) .
فالشيخ الغزالي والألباني يوافقاننا بأن الكتاب عهد لمنع شغب الطامعين
في الحكم !
ولرب معترض يقول : حتى لو أقرا بذلك فمن غير المعلوم أنه كان سيعهد لعلي .
قلنا : المهم إنهما أقرا معنا على الهدف من الكتاب . والقرائن تشير إلى أن الكتاب هو تأكيد
لحق آل البيت في الخلافة . وعمر يقول لابن عباس في حق علي : " لقد هم النبي أن يصرح
باسمه في مرضه الذي توفي فيه ، فمنعت من ذلك ، إشفاقا وحيطة على الإسلام " ( 2 ) ! !
بقي إشكال يكرر وهو : لو كان محتوى الكتاب مهما ، لأعاد النبي كتابته ، لأنه لا
يجوز للنبي أن يكتم شيئا .
لقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم ، هل كان النبي يهذي - والعياذ بالله - أم لا ؟
فإذا اعتقدوا أنه يهذي في كلامه وهو حي بينهم ، فكذا سيكون اعتقادهم في كتابه ، هل
هو هذيان أم لا ؟ ويدب الخلاف . . .
حقا لقد كان الكتاب - الذي أراد النبي أن يكتبه - مهما للغاية ، لذلك رأينا
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد طرد أصحابه . وكان ابن عباس يبكي حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول :
إن الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وشتان بين موقف عمر هنا وموقفه من كتاب أبي بكر في مرضه . فبحضرة
الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أشفق عليه ! وقال : غلبه الوجع ، أما حين كتب أبو بكر كتابا يوصي له
بالخلافة قال : اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله ! ! ( 3 ) وهاتان الحادثتان يجدر
هامش
1 - فقه السيرة : ص 498 وكلام الألباني في الحاشية .
2 - شرح النهج ، ابن أبي الحديد .
3 - تاريخ الطبري : 2 / 618 .