الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به ، وإنه قبل النبوّة ما كان عارفاً بجميع تكاليف الله تعالى ، بل إنه كان عارفاً بالله تعالى ، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس : صفات الله تعالى على قسمين : منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل ، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية . فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوّة .
ثم قال تعالى : * ( ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ) * واختلفوا في الضمير في قوله * ( ولكن جعلناه ) * منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام ، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به ، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معاً ، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى : * ( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ) * ( الجمعة : 11 ) .
ثم قال : * ( نهدي به من نشاء من عبادنا ) * وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدىً كما قال : * ( هدىً للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم * ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) * وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله * ( نهدي به من نشاء من عبادنا ) * يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله * ( نهدي به من نشاء من عبادنا ) * خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله * ( نهدي به من نشاء من عبادنا ) * أمراً مغايراً لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار ، ولا يجوز أيضاً أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنّة لأنه تعالى قال : * ( ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ) * أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء ، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدنيا ، وأيضاً فالهداية إلى الجنّة عندكم في حق البعض واجب ، وفي حق الآخرين محظور ، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله * ( من نشاء من عبادنا ) * فائدة ، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه .
ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) * فبيّن تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي ، وبيّن أنه يهدي إلى صراط مستقيم وبيّن أن ذلك الصراط هو * ( صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) * نبّه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السماوات والأرض ، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله . ثم قال : * ( ألا إلى الله تصير الأمور ) * وذلك كالوعيد والزجر ، فبيّن أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى ، أي إلى حيث لا حاكم سواه فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
تفسير الرازي — صفحة 191
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩١