أن يكلمه الله إلا وحياً أو إسماعاً لكلامه من وراء حجاب أو يرسل ، لكن فيه إشكال لأن قوله وحياً أو إسماعاً اسم وقوله * ( أو يرسل ) * فعل ، وعطف الفعل على الاسم قبيح ، فأجيب عنه بأن التقدير : وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحياً أو يسمع إسماعاً من وراء حجاب أو يرسل رسولاً .
المسألة التاسعة : الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول ، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي ، وقال بعضهم : يجوز ذلك لقوله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى الشفاعة ترتجى ، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله ، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة ، باطل من وجهين آخرين الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي " فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول ، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى ؟ والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر " فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد ، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى ؟
المسألة العاشرة : قوله تعالى : * ( فيوحي بإذنه ما يشاء ) * يعني فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله ، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه ، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه ، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص ، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص ، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله * ( ما يشاء ) * والله أعلم .
ثم قال تعالى في آخر الآية * ( إنه علي حكيم ) * يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة ، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام ، وأخرى بإسماع الكلام ، وثالثاً بتوسيط الملائكة الكرام ، ولما بيّن الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام ، قال : * ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) * والمراد به القرآن وسماه روحاً ، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر .
ثم قال تعالى : * ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) * واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر ، وذكروا في الجواب وجوهاً الأول : * ( ما كنت تدري ما الكتاب ) * أي القرآن * ( ولا الإيمان ) * أي الصلاة ، لقوله تعالى : * ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) * ( البقرة : 143 ) أي صلاتكم الثاني : أن يحمل هذا على حذف المضاف ، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان ، يعني من الذي يؤمن ، ومن الذي لا يؤمن الثالث : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلاً في المهد الرابع :
تفسير الرازي — صفحة 190
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٠