يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام الله ، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزّهة عن كونها حرفاً وصوتاً ، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام الله تعالى ، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد ، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاماً لله تعالى ، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى .
البحث الثاني : أن الرسول إذا سمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل ؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث ، وعلى هذا التقدير ، فالوحي من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات :
المرتبة الأولى : أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى ، فلا بد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى .
المرتبة الثانية : أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول ، لا بد له أيضاً من معجزة .
المرتبة الثالثة : أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة ، فلا بد له أيضاً من معجزة ، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات .
البحث الثالث : أنه لا شك أن ملكاً من الملائكة قد سمع الوحي من الله تعالى ابتداء ، فذلك الملك هو جبريل ، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر ، فالكل محتمل ولو بألف واسطة ، ولو يوجب ، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه .
البحث الرابع : هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة ؟ المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة ، بدليل قوله تعالى : * ( فاستمع لما يوحى ) * ( طه : 13 ) وقيل إن محمداً صلى الله عليه وسلم سمعه أيضاً لقوله تعالى : * ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) * ( النجم : 10 ) .
البحث الخامس : أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة ، فبتقدير أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة ، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى ، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى ، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت ، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد .
المسألة السابعة : دلّت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة ، فذلك هل يسمى وحياً من الله تعالى إلى إبليس أو لا ، الأظهر منعه ، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل .
المسألة الثامنة : قرأ نافع * ( أو يرسل رسولاً ) * برفع اللام ، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير ، وهو يرسل فيوحي ، والباقون بالنصب على تأويل المصدر ، كأنه قيل ما كان لبشر
تفسير الرازي — صفحة 189
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٩