تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
للذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم ولسانهم والثاني : المبين هو الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة . واعلم أن وصفه بكونه مبيناً نجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده . أما قوله * ( إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلّكم تعقلون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول : أن الآية تدل على أن القرآن مجعول ، والمجعول هو المصنوع المخلوق ، فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربياً ؟ قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول : أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجمياً أن يصير عجمياً وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل الثاني : أنه لو صرف الجعل إلى التسمية لزم كون التسمية مجعولة ، والتسمية أيضاً كلام الله ، وذلك يوجب أنه فعل بعض كلامه ، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل الثاني : أنه وصفه بكونه قرآناً ، وهو إنما سمي قرآناً لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعاً معمولاً الثالث : أنه وصفه بكونه عربياً ، وهو إنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم بوضع العرب واصطلاحاتهم ، وذلك يدل على كونه معمولاً ومجعولاً والرابع : أن القسم بغير الله لا يجوز على ما هو معلوم فكان التقدير حم ورب الكتاب المبين ، وتأكد هذا أيضاً بما روي أنه عليه السلام كان يقول يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم والجواب : أن هذا الذي ذكرتموه حق ، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة ، وذلك معلوم بالضرورة ومن ينازعكم فيه ، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ما عرف ثبوته بالضرورة . المسألة الثانية : كلمة لعلّ للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور ، فكان المراد منها هاهنا : كي أي أنزلناه قرآناً عربياً لكي تعقلوا معناه ، وتحيطوا بفحواه ، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا أنزلناه قرآناً عربياً لأجل أن تحيطوا بمعناه ، وهذا يفيد أميرين أحدهما : أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني : أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدي به الناس ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة ، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض ، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور ، وأجوبتنا عنه مشهورة ، فلا فائدة في الإعادة والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله * ( لعلّكم تعقلون ) * يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شيء مبهم مجهول خلافاً لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول . ثم قال تعالى : * ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) * وفيه مسائل :