تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
والأنصار ، ثم بين تعالى أنه يقال لهم إنكم إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب الشديد ، لأجل أنكم أتيتم بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة ( فأولها ) الاصرار على إنكار الدين الحق ( وثانيها ) الاستهزاء به والسخرية منه ، وهذان الوجهان داخلان تحت قوله تعالى ( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ) و ( ثالثها ) الاستغراق في حب الدنيا والإعراض بالكلية عن الآخرة ، وهو المراد من قوله تعالى : * ( وغرتكم الحياة الدنيا ) * . ثم قال تعالى : * ( فاليوم لا يخرجون منها ) * قرأ حمزة والكسائي * ( يخرجون ) * بفتح الياء ، والباقون بضمها * ( ولا هم يستعتبون ) * أي ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ، أي يرضوه ، ولما تم الكلام في هذه المباحث الشريفة الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى ، فقال : * ( فلله الحمد ربّ السماوات ورب الأرض ربّ العالمين ) * أي فاحمدوا الله الذي هو خالق السماوات والأرض ، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات ، فإن هذه الربوبية توجب الحمد والثناء على كل أحد من المخلوقين والمربوبين . ثم قال تعالى : * ( وله الكبرياء في السماوات والأرض ) * وهذا مشعر بأمرين أحدهما : أن التكبير لا بد وأن يكون بعد التحميد ، والإشارة إلى أن الحامدين إذا حمدوه وجب أن يعرفوا أنه أعلى وأكبر من أن يكون الحمد الذي ذكروه لائقاً بإنعامه ، بل هو أكبر من حمد الحامدين ، وأياديه أعلى وأجل من شكر الشاكرين والثاني : أن هذا الكبرياء له لا لغيره ، لأن واجب الوجود لذاته ليس إلا هو . ثم قال تعالى : * ( وهو العزيز الحكيم ) * يعني أنه لكمال قدرته يقدر على خلق أي شيء أراد ، ولكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة والفضل والكرم ، وقوله * ( وهو العزيز الحكيم ) * يفيد الحصر ، فهذا يفيد ، أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلا هو ، وذلك يدل على أنه لا إله للخلق إلا هو ، ولا محسن ولا متفضل إلا هو . قال مولانا رضي الله عنه : تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة بعد الصلاة الخامس عشر م ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة ، والحمد لله حمدا دائما طيبا مباركا مخلدا مؤبدا ، كما يليق بعلو شأنه وباهر برهانه وعظيم إحسانه ، والصلاة على الأرواح الطاهرة المقدسة من ساكني أعالي السماوات ، وتخوم الأرضين ، من الملائكة والأنبياء والأولياء والموحدين ، خصوصا على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين . ( تم الجزء السابع والعشرون ، ويليه الجزء الثامن والعشرون وأوله سورة الأحقاف )